إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2011/12/29

أسف


أسَـفٌ
أسَفٌ بكِ عليكِ كأَسَى الثّكلَى راعَها احتِضارُ وليدِها البِكرِ الجمِيل، كَأسَى الغريقِ يَشدُّه القاعُ إليه و عيونُ الخلْقِ ترقبُه و لا تجودُ، كَأَسَى الطّفلِ الشَّريدِ تَلفَظُه العيونُ و تُفزِعُه الأيادِي و تُجرِّحُه الألسِنةُ و لا ذنْبَ إلاّ رِقّةُ النّفسِ و الجسدِ، كَأَسَى العاشقِ تَجُوعُ روحُه و تَعْرَى و تعْتلُّ يَأسا مِن رِضا حبيبٍ جَحُود نَفُور، كَأَسَى الحالِم الّذي اتّخَذَ الْجُمُوحَ مطِيّةً تنهلُ من الأرضِ فَوْرتَها و من السّماءِ مِنْعتَها فلا تَحطُّ الرِّحالَ و لا يسترِيحُ الْمُحاربُ...
بِكِ عليكِ من الأسَى ما يُقِيل اللّغاتِ عجْزا و يُخرِسُها كَمَدا، بل ما يُثقِلُ المكانَ فيمُورُ و يُثقِل الزّمانَ فتخْتلُّ أوزانُه. بكِ عليكِ ما لا يُقالُ، و إنْ تسمَّى ألغزَ.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2000.08.26

قرارٌ، شعر


قَــرَارٌ
يَا قَرارِي، خُذْ قَرَارَكْ
صُنْ تُخُومِي مِنْ عِثَارِكْ
مِنْ جُمُوحِي صُغْ شِعَارَكْ
وَاكْوِ جُرْحَكْ، وَامْحُ عَارَكْ
يَا قَرَارِي، خُذْ بِثَارِكْ
شُدَّ أَزْرِي، فُكَّ أَسْرِي
فِيكَ عِتْقِي
وَاحْتِضَارِي فِي كُسَارِكْ 
مِنْ كُلُومِي صُغْ دِثَارَكْ
لُفَّ كَوْنِي، تَاهَ مِنِّي
تَاهَ لَيْلِي عَنْ نَهَارِي
يَا قَرَارِي، لِدْ نَهَارَكْ
قُدَّ شَـمْسًا مِنْ شُـمُوعٍ
قُدَّ بَحْرا مِن دُموعٍ
اِبْنِ مَهْدًا فِي قِفَارِكْ
اُرْسُمِ الْأُسَّ لِدَارِي
وَاجْعَلِ الْـحُلْمَ جِدَارَكْ
كُنْ حَبِيبِي، كُنْ جِوَارِي
يَا قَرَارِي،
كُنْ صَهِيلاً فِي قِفَارِي.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 1999.10.16


رثاء


رِثَـاءٌ
 أنا لا أبكيكَ. إنّي أرثِي نفسي كما لم ترثِ الخنساءُ صخرا. وإنْ كان رثاءُ الأمواتِ ترحُّما شقِيّا على أرواحٍ استراحتْ في تربةٍ مّا فوأدتْ إلى الأبدِ الأملَ في لُقياها أو استعادتِها، فإنّ رثاءَ الأحياءِ أمرُّ مَذاقا وأجهَدُ لِلّغة... إنّه مزيجٌ من اللّوعةِ الواقعةِ ومن الرّجاءِ الخجُول. بل هو أشبهُ ما يكون بيائسٍ يشربُ كأسَ السُّمّ بيدٍ مرتعِشة راجِيا، إذ يتجرّعُ الموتَ، ألاّ يفعلَ فيه السّمُّ فعلَه في غيرِه. أو هو الغريقُ، لأنّه يجهلُ فنَّ العومِ يمضِي قُدُما إلى مُستقَرِّه الحتميِّ دون أن يكُفَّ عن خبْطِ التّيّارِ بذراعيْن منهوكتيْن تُجاهِدان لمعانقةِ سماءٍ قلَبتْ ظهرَ الْمِجنِّ وتبسّمتْ لصورتِها الرّاقصة على ظهْرِ الموجِ الْمُختال.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2000.03.09

2011/12/22

حكومة راشدة


الحكومةُ الرّاشدةُ

جيشٌ عرمرمٌ من الحقائبِ الوزاريّة. فاطمئِنّوا يا مُواطنِي تونسَ، بل ضعُوا في بطونكم بِطّيخا صيفيّا يقيكم قِرَّةَ هذا الشّتاء العاتِي. إنّ أولِي الأمر منّا قد استوعبُوا الحكمةَ السّائرة: «كلُّكم راع، و كلُّكم مسؤُولٌ على رعيّته».
ما ستأخذه الحكومةُ المنتظَرة باليد اليُمنَى الممدودةِ ستُعطيه إيّانا باليد اليُسرَى المغلولةِ: سيتبرّع لنا حُمّالُ الحقائب بنسبةٍ هامّة من رواتبهم، سيعيشون على الكَفاف لأجل عيون الشّعب الكريم، سيجوعون لنَشبعَ، سيعرَوْن لنكتسيَ، سيَشِيدون مِن العدم ديموقراطيّةً، سيبعثون من اليَباب دولةً ما كانتْ و لن تكونَ إلاّ على أيدِي "الرّاشِدين" المعصومِين من صيْرورةِ التّاريخ.
و كلّما أُمسِكتِ الحكومةُ متلبِّسةً بالجرمِ المشهود و هَمَّ «المجلسُ الوطنيّ التّأسيسيّ» الّذي يعلُو و لا يُعلَى عليه ليُحاسبَها و يُقلِّم بعضا من مخالبها، هَرَعتْ إليها "الأغلبيّةُ" الّتي تعلُو على ما لا يُعلَى عليه لتنتشلَها من قفص الاتّهام أنقى من ملائكة الرّحمان. هي ذِي الأيدي الغفيرةُ تُرفَع دفعةً واحدة مُنتشِية بالنّصر المبِين شامِتةً بالمهزومين. كأنّما هي بشرٌ آليّون مستنسَخُون بُرمِجوا على الولاء للحزبِ الأبِ، لكتلةِ الحكم المتغوِّلة، للسّلطانِ المؤبَّد، لا لشيءٍ سوى ذلك.
مرّةً أخرى تطفُو "المعجزةُ التّونسيّة" على السّطح. لكن يُعكِّر صفْوَها أصحابُ "الصّفر بالمئة" المتآمِرون على «تحالُف» منشُورِ الطّويّةِ مفتوحِ الشّهيّةِ.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2011.12.20

2011/12/19

أقلّيّة و أغلبيّة


نحنُ في الْمجْلس:
  
أقَـلّـيّة
نحنُ في الشّـارع:

 أغلـبِيّـة
نحنُ:

 الشّعْب لا الرَّعِـيّة

طقوس بِنعلويّة


طُقوسٌ بِنْعلَويّـةٌ

    أبدتْ أحزابُ "ثلاثي الأثافي" لهفةً على السّلطة وعلى اقتسام غنائم الثّورة بأسلوبِ محاصصةٍ أعاد إلى الأذهان احتكارَ العصابة «الطّرابلسيّة والبنْعلويّة» لخيرات البلاد ودمِ العباد. حتّى إنّي أكاد أجزِم بأنّنا سنحتاج قريبا ثورةً ثانية للإطاحة بحكومة: "ضحايا الأمس - سادةِ اليوم - طغاةِ الغد".
    وإذا استحضرْنا ازدواجيّةَ خطابِ الفائز الأوّل وتبجّحَه المفرَط بكونه المتكلّمَ الأوحد على لسان صندوق الاقتراع حتّى كأنْ لا وجودَ لمن لم ينتخبْه لا في الوطن ولا في جنّات الخلد، واستحضرْنا إصرارَ الفائز الثّاني على عدم الالتزام بفترة العام سيرا على خُطى جماهير الملاعب "رابحون أو خاسرون ما نحن راحلون"، وتوعّدَه إيّانا بالتّرشّح للرّئاسة منذ حلولِه بالمطار وقبل أن يترحّمَ على الشّهداء الأحياءِ منهم والأموات، واستحضرنا انبتاتَ الفائز الثّالث عن عائلته الحداثـيّة التّقدّميّة وحرصَه على التهام ما تيسّر من فُتاتِ المناصب السّياسيّة... إذا استحضرْنا كلّ هذا أدركنا أنّ ثورتَنا مغدورةٌ مرّتيْن:
- غدَرها أوّلا النّاخبُ الصّامتُ والمجاهِرُ بصوتٍ لا يرقى إلى الأهدافِ الثّوريّةِ الحقِّ،
- وغدَرها ثانيا ساسةٌ لم يزدْهم "نضالُهم" السّابق إلاّ إدمانا على عشْق العرش الّذي حُرموا من احتلاله. كأنّما لم يحاربوا الاستبدادَ، إنّما حاربوا مَن استبدَّ بالسّلطان دونَهم.
    أمّا الثّورةُ فقد سُحب البساطُ من تحت أقدامها المتثاقلة والتفّتِ الأيادي العابثةُ حول عنقها الغضِّ وانقلبتْ أحلامُها أوهاما تُجنِّح ولا تحطّ على أرضنا المبارَكة. لكنّ ميدانَ التّحرير القاهريَّ يبعث إلينا رسائل مشفّرةَ العلامةِ صريحةَ الدّلالةِ، أهمّها: «الشّعبُ يريد صباحا مساء ويومَ الأحدْ إسقاطَ كلّ فاسد مستبدْ».

فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2011.11.22

كشطا لصدإ الذّاكرة


كشْطا لصَدإ الذّاكِرة
[نُشِر: الشّعب، عدد: 952، 12 جانفي 2008]

لن نُضيف جديدا إذا قُلنا إنّ المحكمةَ الّتي أُوكِلتْ إليها مهمّةُ محاكمةِ الرّئيس العراقيّ السّابق السّيّد "صدّام حسين" تفتقر إلى أدنَى شروطِ الشّرعيّة القانونيّة. و أوّلُ هذه الشّروطِ استقلالُ القضاءِ. فهذا شرطٌ مؤَجَّل إلى حين استقلالِ الدّولة العراقيّة نفسِها. و إنْ كان الاستقلالُ السّياسيّ شرطا لازما فهو في مطلقِ الأحوال غيرُ كافٍ. و لذا فالأحكامُ الّتي تُصدرها هذه المحكمةُ، أيّا كان تراكُمُ الأدلّة و الشّهادات الواقعيّة أو المفتَعَلة، تظلُّ موضِعَ شكٍّ و ارتياب لدى نسبةٍ هامّة من العرب و غير العرب بقطعِ النّظر عن مواقفهم الأخلاقيّة و عن انتماءاتهم المذهبيّة و السّياسيّة.
لِمَ اُختِير الإعدامُ إذن؟ و لِمَ نُفِّذ في تلك الأجواءِ السّاخنة المحتقِنة المستمرَّة و الحالُ أنّ هذا الحكمَ جاهِز قبل تشكيل المحكمةِ نفسِها؟
تحتاجُ قوّاتُ الاحتلال الأمريكيّ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضَى إلى «ظلِّ انتصارٍ» تُلهِي به الرّأيَ العامّ المحلّيّ و العالميّ. فالإطاحةُ بِـ «الطّاغية» و محوُ آثارِ عهده، حسْب هذا التّمشِّي، لَم تذهبْ سُدًى. إنّما الإعدامُ مَغرِسُ شجرةِ الدّيموقراطيّة الّتي عليها أن تُورِقَ و إنْ تكنْ في غير تُربتِها و غيرِ مُناخِها. و من شأنِ هذا الإعدام الّذي فيه من التّشفِّي أضعافَ ما فيه من العدالة، أن يُسدِل ستارا، و لو شفّافا، على الضّريبة المفزِعة من الأرواح الّتي دفعها الغزاةُ و الّتي دفَّعوها شعبَ العراقِ. و من شأن هذا الحكم أيضا، باعتباره لقطةً إشهاريّة ترهيبيّة، أن يُروِّج أحسنَ ترويجٍ الرّسالةَ التّالية: «اُنظُروا يا ساسةَ العالمِ الثّالث ما يجنيه أعداءُ الإمبراطوريّة الأمريكيّة العُظمَى، إذ لا مفرَّ للرّؤوسِ الّتي أينعتْ من أن تُقطَف (1)، و العاقلُ مَن اتّعظ بغيره».
هذا الحكمُ إصدارا و تنفيذا صورةٌ حيّة ثلاثيّةُ الأبعادِ لمشهد إسقاطِ تمثال الرّئيس السّابق عشيّةَ اجتياح بغداد. فكِلا المشهديْن مسرحيٌّ: إخراجُه أمريكيّ، و تمثيلُه عراقيّ، و إنتاجُه مشترَك. و لأنّ المشهديْن من مسرحِ الدّمَى المتحرّكة لَم نجدْ رُوحا في الأداء عهِدناها راسخةً في بلاد الرّافديْن و لَم نرَ عبقريّة في الإخراجِ كما قد عوَّدنا نجومُ هوليود (2).
بعد مسلسلِ تنحيةِ القُضاة لتنصيب غيرهم، و بعد تصفية بعضِ محامِي الدّفاع التّصفيةَ الجسديّة البشعة، و بعد إهانةِ المتّهَمين حتّى الطّردِ من قاعةِ المحكمة، و بعد تأجيل التّصريح بالحكم في سذاجةِ الجلاّد الحريص على العدل... بعد هذا و غيره يصدُر حكمُ الإعدامِ شنقا صدورا رسميّا. و لمزيد التّشفِّي حُرِم الرّئيسُ الرّاحل من رغبة الموت رميا بالرّصاص. قلَّ مَن فُوجئ بهذا الحكم لأنّه من جنس القرارات المعلَّبة.
إنّ الغزوَ الأمريكيّ للعراق و ما انْجرَّ عنه من تنكيلٍ بزعيمِ حزب "البعث" الحاكم و من محاكمةٍ صُوريّة هزليّة له و من إعدامٍ مُهِين لشخصه و للذّات البشريّة عموما (3)، إنّ هذا الغزوَ قد أنقذَ الرّئيسَ الرّاحل من مصيرٍ أشنعَ و أقتمَ كان سيلقاه على الأرجح مِن الدّاخل العراقيّ. لقد صيَّره الاحتلالُ الأمريكيّ من حيث لا يدري و لا يُريد «بطلا» وطنيّا و قوميّا عند نسبةٍ هامّة من العرب داخلَ العراق و خارجَه. و الشّاهِدُ على ما نقول هو الأسَى العامُّ في ذلك «العيدِ الْمُرّ» [عيدِ الأضحى الّذي تزامن مع تنفيذ الإعدام].
سيحفظُ التّاريخُ للرّاحلِ "صدّام حسين"، شِئنا أم أبيْنا، أنّه لَم يُسلِّمْ مفاتيحَ بغداد للمغُول الجدُد و أنّه صارع حتّى الرّمقِ الأخير و أنّه ظلَّ وهو يُواجِه تهمةَ الإبادةِ الجماعيّة للأكراد و غيرَها من التّهم أفصحَ من قُضاتِه و أبلغَ من مُحاميه و أجرأَ من أعدائه السّافرين و الملثَّمِين حتّى وهو مغلولُ اليدِ و اللّسان.
أثناء مسلسل المحاكمةِ الّذي عُرِضتْ بعضُ لقطاته المنتقاة على الرّأيِ العامّ لَم نُشاهِدْ طاغيةً أو سفّاحا و لا حتّى مُصابا بجنون العَظمَة [و ما أكثرَهم في عالمنا الموسوم بِـ "الثّالث"]. لقد أدّتِ المحاكمةُ إلى نقيضِ ما جُعِلت له لأنّها انتهتْ إلى وضْعِ القُضاة و مُسيِّريهم في قفص الاتّهام الّذي منه خرج المتّهَمُ الرّئيسُ «مُكلَّلا بتاجِ الشّهادة».
هذا الإعدامُ مُوجَّه بالأساس ضدَّ أنصارِ الرّئيس الرّاحل في السّرّ و العَلَن، ضدَّ أمْنٍ عراقيّ ما يزال في حيّزِ الإمكان أو حيّز الآمال، ضدَّ أيّ توافُقٍ نفسيّ و سياسيّ بين السّنّة و البعثيّين من جهة و بين الشّيعة و الأكراد من جهة ثانية خاصّةً بعد أنْ هلّل هؤلاء لسقوط «الطّاغية» تِمثالا و إنسانا و لإعدامِه حُكما و تنفيذا.
إذا كانتْ غايةُ الغُزاة من إعدام السّيّد "صدّام حسين" هي «فرِّقْ تَسُدْ» فقد فرّقُوا الشّتاتَ العراقيّ مذْ وطَنُوا بلادَ الرّافديْن، و لكنْ لَم يسودُوا. و إن كانتِ الغايةُ هي تصفية النّزاعات الإقليميّة على الأرض العراقيّة فإنّ تنفيذَ هذا الحكمِ المتهوِّر [بالمعنى السّياسيّ للتّهوُّر] سيزيد النّزاعَ اشتِعالا بما يجعلُ أرضَ العراق مجرّدَ بؤرةٍ للحريق و بما يجعل الغُزاةَ مُشعِلِي الفتنة يصطلون بدخانِها إنْ لَم نقلْ بلهِيبها.
ليس ذاك الإعدامُ الّذي عَدِمَ العدالةَ القانونيّة و السّياسيّة و الأخلاقيّة إلاّ إسقاطا ثانيا للتّمثالِ... لكنْ الحيِّ هذه المرّةَ.
الهوامش:
(1) هذا تحريفٌ لعبارة "الحجّاج بن يوسف": «أرى رؤوسا قد أينعتْ و حان قِطافُها». عاش "الحجّاجُ" بين [660م -714م]. وَلِيَ العراقَ في عهد الخليفةِ الأمويّ الخامس "عبد الملك بن مروان". و العبارةُ من خطبةٍ له في أهل العراق.
(2) لا نقصدُ من هذه المشابهة أيَّ استنقاص من قيمة مسرح الدّمَى المتحرّكة. فله و لأهله كلُّ الاعتذار و التّقدير.
(3) تقولُ أرجحُ الرّوايات و أقربُها إلى خفايا الكواليس أنّ الغزاةَ هم مَن صوّروا مشهدَ الإعدام و روّجوه و ركّبوا عليه أصواتَ الشّامتين.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2007.12.31

ربّ ضارّة نافعة


رُبَّ ضارّةٍ نافِعةٌ
[نُشِر في: "الوطن العربـيّ": 1362: 2003.04.11]

أُولَى النّتائجِ الحتميّةِ لهذا العُدوانِ الأمريكيّ البريطانِيّ على العراقِ هي فتحُ الأبواب مُشْرَعةً أمام «قانون الغاب» على النِّطاقِ الدَّولِيّ الواسع. لكنْ هذا الاحتضارُ الْمُخجِلُ لِحقوق الإنسانِ و للقانون الدَّولِيّ قد خلقَ لدى شُعوبِ العالَم وعْيا عمِيقا ما كانتْ عقودٌ مِن التّوعية النِّظاميّة لتُحقِّقه.
هاهي الشّعوبُ تُعلِن أنّ أقنِعةَ «إرهابِ الدّولة» الّتي تفنَّنتِ "الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّة" و حليفاتُها في تشْكيلِها قد سقطَتْ جميعا، و أنّ تغطيةَ المصالح الاقتصاديّة الجشِعةِ بِوهْم نشرِ الدّيموقراطيّة من قِبل مَن يفتقِدونَها على أرضهم قد انكشَفتْ بما يُشبِه المهزلةَ، و أنّ العُقدَ التّاريخيّة لِـ «رُعاةِ البقرِ» الحالِمين دوْما باحتلالِ العالَم أرضا و فضاءً قد باتتْ مِن المسلَّمات عند رجلِ الشّارع البسيط. و كانتِ الشِّعاراتُ و اللاّفِتاتُ الرَّمزِيّة منها خاصّةً أرقَى تجسيدٍ لهذا الوعْي غيرِ المسبُوق و غيرِ المتوقَّع. لهذا اضْطُرّ قادةُ العُدوانِ إلى فضْح نواياهم بتسارُعٍ مُفاجِئ. فمِن نزْعِ أسلحةِ الدّمار الشّامل بالقوّة قفزُوا إلى مُطالبةِ الرّئيسِ العراقيّ بالتّخلِّي عن السُّلطة تجنُّبا للحرب. و مِن هذه قفزُوا قفزا عجِيبا إلى قرارِ «غزو» العراق حتّى و إنْ لبَّى رئيسُه الطّلبَ و غادر إلى المنفَى.. و ليس لهذه القائمةِ مِن النّوايا الْمُبيَّتة و الْمُعلَنة حدٌّ يقبله الحسُّ الإنسانِيّ المطلَق و لا العقلُ السّياسيّ المعتدِل و لا حتّى المصلحةُ العامّة.
جميلٌ أن تقومَ «القطيعةُ» بين قادةِ العُدوان الخارجِين عن القانونِ و بين الأغلبيّة الغالِبة مِن شعُوبهم. و جميلٌ أن تتحرّرَ وسائلُ الإعلامِ العالميّة و لو نِسبيّا من «جماعاتِ ضغطٍ» وظّفتْها طويلا لذرِّ الرّمادِ على العيون و على البصائر. و جميلٌ أن تتصادمَ مصالِحُ الغربِ فيما بينها و لو وقتيّا مِمّا يُزعزِع تكتُّلَ الأقوياءِ جميعِهم ضدّ الضُّعفاءِ بما هُم عليه مِن تشتُّتٍ و تناحُر و ضِيقِ أُفقٍ. لكنْ الأجملُ مِن هذا و غيره أنْ نعرفَ ، نحن العربَ و المسلمِين المعتَبرين «مُعادِلا موضُوعيّا» للإرهابِ، كيف نستغِلّ لِصالحنا هذه «السّقطةَ التّاريخيّة» الّتي أوْقعَ فيها المعتدُون أنفسَهم. فالمؤامرةُ أبشَعُ مِمّا قد بانَ، و الآتِي أعظمُ مِن الحاصِل. إنّ علينا أن نجعل المضرّةَ، على مرارتِها، منفعةً مّا. فكيف السّبيلُ؟! و أين السّبيل؟! و متى السّبيل؟!

فوزيّـة الشّـطّي
تونس

سقط القناع


«سقَط القِنـاعُ»
[نُشِر في "الوطن العربيّ":  عدد: 1205: 2000.04.07]

كثيرا ما تبرّجتْ هذه الحسناءُ الفاتِنةُ. فأثارتْ شهْوةَ المحرومِين، واستَوطنتْ أفئِدةَ المعدَمِين، وعمّرتْ أحلامَ الجائعِين. كثيرا ما خاطتْ لها مِن تأمِينِ سلامةِ الإنسان رِداءً يقِيها برْدَ الانفِضاحِ. ومِن ضمانِ طلاقةِ الفكْر أقامتْ لها خيمةً تَكفُّ عنها هجِيرَ العُريِ. ومِن نُصْرةِ الحقِّ المهزوم عجنتْ خبزا يسُدّث خلَّتَها ويسُدُّ أفواهَ المستائين. وإذ سقط القِناعُ المسنودُ بالقِناع... أرسلتْ آفةُ العصر هذِي سُمومَها كفوْهَةِ بركانٍ قبِيح.
 لن أعنِيَ هنا غيرَ «الدّيموقراطيّة» بالمفهومِ الّذي أراده لها «النّظامُ العالميُّ الْحَديد» [بالحاء لا بالجيم]. فهي صنيعةُ يديْه الآثِمتيْن. به تَمدُّ مخالبَها حيث شاءتْ، ومنها يستَمدُّ شرعيّتَه متى أعوزَه الأمرُ.
وهكذا، أرى "دالَها" (د) دَجَلا. فهي لا تعنِي مِمّا تقول إلاّ ما تُريد أن تفعلَ. أمّا "ياؤُها" (ي) فيأسٌ عميقُ الغَوْر مِن أنْسنَةِ هذا الوجودِ البشريّ المتداعِي. وتَتبدّى "ميمُها" (م) مُؤامرةً ضِدّ تسعةِ أعشارِ البشَر كرّستْها شِلّةٌ من السّاديِّين. وتتمطَّى "واوُها" (و) وعِيدا لكلِّ خارجٍ عن الطّوْق المرسُوم بالنّار والحديد. في حين تتربّعُ "قافُها" (ق) قمْعا جميلَ القَسَماتِ لشرْقِ الأرضِ وجنُوبِها. وتتبَخترُ "راؤُها" (ر) إذْ تُرِي مِن نفسِها الوجهَ الّذي يُحِبّ الآخرون أن يَرَوْه. أمّا "ألِفُها" (ا) فتتصَدّرُ العرشَ أُكذوبةً سُرعانَ ما صدّقتْ ذاتَها لِفرطِ ما صدّقها المغفَّلون. ولا تتضايقُ "طاؤُها" (ط) مِن أن تتشكَّل طُغيانا بشِعَ السُّحنةِ صريحَ النّبرةِ لا يَحدُّه حدٌّ ولا يُوقِفه نِدٌّ. وبذا تتبدّى "ياؤُها" الأخرى (ي) يَبابا مِن قِيَم الحقِّ والعدْلِ والخيْر. وتُقفِلُ "تاؤُها" (ة) هذا العِقدَ الفريدَ لِكونِها تدلِيسا لِلحقُوق الشّرعيّة لِمَن نال الضُّعفُ منه وتكريسا لا ضابِطَ له لِمنطقِ القُوّة الغاشِمة!
إنّي لا أتردّدُ في الجزْمِ بأنّ واضعِي هذه «الأسطورةِ المقنّعة» مِن الإغريق إلى مُعاصِرينا لَوْ علِمُوا كَمْ مِن الجرائِم اُرتُكِبتْ تحت رايتِها وأدركُوا كَمِ استفادَ مِنها أعداؤُهم وأعداؤُها لَدمّرهم تَبكيتُ الضّميرِ ولَردّدُوا مع "محمود درويش" في صلاةِ المغفرة «سقَط القِناعُ»...
[الآنسةُ: فوز] = فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2000.02.28

التّلوّث اللّفظيّ


التّلوّث اللّفظيّ في تونس: مِن أين؟! و إلى أين؟!
[نُشِر في "الشّعب": عدد 840، 19 نوفمبر 2005]

مِن أين بدأ هذا التّلوّثُ اللّفظيّ عندنا؟ وإلى أين يسير بنا و بنفسه؟ ما الدّافعُ؟ وما الْمآلُ؟ كيف تخلّل هذا الوباءُ أعماقَ البشر والأمكنة؟
نقول هذا لأنّه يستحيل على مَن يرتاد شوارعَ العاصمة، وهي النّموذجُ الأوفَى و ليس الوحيد لهذا الوباء، أنْ يُقضِّي فيها ربعَ ساعة دون أن تُصدَم أذناه بما نسمِّيه «المعجَم الملوَّث أو الملوِّث» [بفتح الواو أو كسرها]. وهو ألفاظُ السَّبّ والقذف والشّتم والنَّـبْز والتّعيِير... في أصل وضعه. لكنّه صار «كلاما عاديّا» على ألسنةِ مُواطنِينا، مُعبِّرا عن كلّ المعاني، بل عن المعاني المتناقِضة أحيانا. فهو لغةُ المزاح والتّحبُّب، وهو لغةُ السَّبّ العنيف والشّتم القبيح، وهو لغةُ السّخرية اللاّذِعة والتّهكُّم الْمُرّ، وهو لغةُ الغضب والرّفض والاحتجاج... حتّى إنّ بعضَ مكوّنات هذا المعجم العجيب صارتْ بديلا عن المتكلّم نفسِه تقريبا!
الخطرُ الحقيقيّ ليس فقط في رواجِ هذا المعجم بين كلّ الفئات العمريّة والأصناف الاجتماعيّة. فهو طليقُ العِنان في حرمِ المؤسّسات التّربويّة على ألسنة الفئة التّلمَذيّة من المدارس الابتدائيّة إلى الجامعات مُرورا طبعا بمراهقِي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة الّذين يتفنّنون في التّوليد والابتداع والاستنباط. إنّ الخطرَ الحقيقيّ هو في نفاذ هذا المعجم الشّاذّ إلى لغةِ التّخاطب اليوميّة نفاذا ساحِقا تغلغل بمُقتضاه في مسامِّ لهجتنا التّونسيّة حتّى صار مُقوِّما رئيسا من مقوِّمات قدرتها التّعبيريّة وأهلِيّتها لضمان التّواصل.
إنّ هذا المعجم شرٌّ حقيقيّ. ولكنّه صار، ويا لسخرية القدر!، مِمّا لابدّ منه. وكلُّ مستعمِل له يجد في رواجه بين النّاس مبرِّرا ومسوِّغا يرفعان عنه الحرجَ والكلفة والحياء.
نعلم جميعا أنّ هذا المعجمَ البذِيء لا تكاد تخلُو منه لغةٌ أو لهجةٌ إنسانيّة. لكنّ المصابَ الجلَل عندنا يتمثّل في شيوعه وعلانيّته بل في «شرعيّته» الّتي افتكّها، على ما يبدو، بعد صراعٍ طويل مع قِيم احترام الآخر واحترام الأماكن العامّة واحترام آداب التّخاطب. وهو صراعٌ انتهى بانتصارٍ ساحق له عليها. والجولةُ القصيرة في شوارعنا «الملوَّثة» لفظيّا [دعْك من التّلوُّث المادّي] دليلٌ قاطِع على ما نقول. بل إنّ "العفويّة" الغريبة في استعماله وتداوله تُظهره كما لو كان «لغةً أُمّا» ورِثها الصّغار عن الكبار عفْوا لا قسْرا، طواعية لا تلقينا!
كلُّ هذا التّلوّث اللّفظيّ يحصل و يتفاقم يوما بعد يوم، و يفتكُّ «شرعيّةً» تتّسع رقعتُها بلا هوادة، ولا مِن صيحة فزع! هكذا تعوّدتْ آذانُ النّاس هذا المعجمَ "الملوّث" [بفتح الواو أو كسرها]. فتلوَّثتْ به حتّى صار ما يُقرِف ويُقزِّز يمرّ مرورَ الكِرام على طبْلة الأذن، فلا يخِزُها. إنّما يهزّها هزّا خفيفا. وهنا موطنُ العجَب والوجَع معا. لذا نُبيح لأنفسنا أن نتساءلَ في حيرة:
لِمَ عمَّ هذا المعجمُ البذيء بلادَنا في فترة زمنيّة قياسيّة؟ لِمَ "تميّز" التّونسيّون عن غيرهم من العرب، على الأقل، بهذا الكمِّ الهائِل من ألفاظ البذاءة؟ ولِمَ يجرؤُون على استعمال هذا المعجم علَنا [أمّا عن السّرّ فحدّثْ ولا حرجَ] جرأةً يكاد يستحيل وجودُها في أيِّ بلدٍ آخر؟ لِمَ تقبّل الآخرون هذا المعجمَ بسلبيّةٍ نادرة ولامبالاةٍ رهيبة؟ أهو الضّميرُ الجمْعيّ الّذي استقال من مهامّه في هذا المجال؟ أو هي العربيّةُ الفصحى الّتي أُجبِرت على التّراجع لتَفسح المجالَ لِـ "لغة" لا هي بالفصحى ولا الدّارجةِ ولا الفرنسيّة ولا الأنقليزيّة... بل هي خليطٌ هجِين من العلامات اللّغويّة الغريبِ بعضُها عن بعض؟ أم هل تعُود هذه «الفاجعةُ اللّفظيّة» إلى اختلالِ القِيم القديمة مع تعذُّر تأسيس قِيم جديدة أساسُها السّلوكُ الحضاريّ والتّعايشُ المدنِيّ وحقُّ المواطِن في بيئةٍ لغويّة سوِيّة؟ أم إنّ ذلك أمارةٌ على موهبة التّونسيّ في توليد الألفاظ حسْب الحاجات الفرديّة والجماعيّة دون انتظار ما ستُفرزه مداولاتُ «مجامع اللّغة العربيّة»، والحاجةُ أمُّ الاختراع كما نعلم؟ أمْ هل يعود ذلك إلى رغبةِ فئةٍ من مُواطنينا في ضمان الحدّ الأقصى من التّواصل النّفسيّ والاجتماعيّ، أيّا كانت الوسيلةُ، ما دامت الغايةُ تبرِّر الوسيلةَ؟
لكنْ على قدرِ اتّساع الحيرة وتعاظُمها يضيقُ الجوابُ ويضمُر. فبعد استفحالِ ظاهرة التّلوُّث اللّفظيّ تكبر المسؤوليّةُ لتقعَ على كاهِل علماءِ النّفس والاجتماع من حيث الرّصدُ والإدراكُ والتّحليل، وعلى كاهِل وسائل الإعلام المتنوِّعة من حيث المحاربةُ والتّوعيةُ وتوفيرُ البديلِ الموضوعيّ. ونعني به لغةَ تواصلٍ حقّةً بها من شُروط التّحضُّر والأصالة والأناقة الشّيءُ الكثيرُ الكثير الكثير...
علينا المرورُ من موقفِ اللاّمبالاة أو التّقزُّز إلى موقف الفهمِ والتّفهُّم، ومنه إلى موقف التّعديلِ والإصلاح. فهذا المعجمُ الملوّث [بفتح الواو أو كسرها] كثيرا ما يرفعُه مُستعمِلوه لِواءَ تحدٍّ و ثورةٍ على كلّ شيْء عادةً وعلى لاشيء أحيانا. وربّما عَدّه بعضُهم نموذجا للتّجديد الحرّ مُستنِدين في ذلك إلى زمرةٍ من "المنظِّرين" لتبسيط لغة التّواصل.
قد نكون وقعْنا في التّعميم والإطلاق. فظلمنا فئات وأمكنة لَم يطَلْها هذا الوباءُ. لكنّ عُذرَنا في ذلك أنّ التّلوُّث اللّفظيّ ، وهو الانعكاسُ الصّريحُ للتّلوّث النّفسيّ والقِيميّ والاجتماعيّ ضرورةً، آتٍ لا محالةَ على البقيّة الباقية من البلاد والعباد تماما كما يجولُ الهواءُ الفاسد بحرّيّـةٍ يُحسَد عليها. فلا يحدُّه حدٌّ، ولا يمنعه قانون، ولا يُحاصره حرّاسُ الحدود.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2005.11.02