إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2013/05/29

23 أكتوبر 2012: أيّ شرعيّة؟؟؟



23 أكتوبر 2012: أيُّ شرعيّة؟!
يومَ انتهاء الشّرعيّة الانتخابيّة قصدتُ من الصّباح باردو حيث يجثُمُ "المجلسُ الوطنيّ التّأسيسيّ" وحيث تجمّعَ فريقان متواضِعان على غير ما كان يُتوقّع:
كان فريقُ ما يُسمَّى «الرّابطة الوطنيّة لحماية الثّورة = ر.و.ح الثّورة» قد احتلَّ السّاحةَ منذ اللّيلة السّابقة مجهَّزا بالمظلاّت والطّاولات والكراسي والكاميرات واللاّفتات ومضخّم الصّوت. وأقبلتْ عليه تدريجيّا التّعزيزاتُ "الثّوْرجيّة" من الجِهات على متْنِ المال العامّ المهدور! دافع الفريقُ "الحكوميّ" بقذارة لفظيّة وشراسة بدنيّة عن تأبيد الشّرعيّة والمشروعيّة معا للمجلس وللحزب الحاكم على السّواء. رفعَ أعلاما ضخمة "للرّوابط" و"النّهضة" و"حزب التّحرير" وبضعةَ نُسخٍ من العلم الوطنيّ في أصغر الأحجام ظلّتْ أغلبَ الوقت منكَّسةً تَشِي بنكْستنا.
ردّدَ الأنصارُ شفويّا وكتابيّا الإنجازات الإعجازيّةَ لأقوَى حكومةٍ تونسيّة في تقليص نسبة البطالة وفي تحسينِ معدَّل النّموّ وفي نشرِ الأمن والأمان وفي تحقيق الانتقال الدّيمقراطيّ على الوجه الأكمل... أَنشدُوا مدائحَ عصْماءَ في أعضاء كتلة "النّهضة" الّذين التحقوا بالرّكب بعد الاحتفال الرّسميّ في قبّة المجلس بالذّكرى الأُولى لأوّل [وربّما آخر] انتخابات "حرّة": لأنّها سمحتْ  للجميع بالتّرشّح بمن في ذلك الحزب الرّاسخ القَدم في الإرهاب، "نزيهة": لأنّها استعاضتْ عن منظومة الفساد البالية بأخرى أكثرَ شبابا وانسجاما مع الظّرف - ما بعد الثّوريّ، "شفّافة": لأنّها شَفّتْ عن ناخبين يتاجرون بأصواتهم في أسواق المزاد السّوداء بلا ذرّةِ حياء أخلاقيّ أو وطنيّ!
لأجل هذا وغيره تعالتْ المدائحُ في زعماء الحزب "الحاكم بأمرِ الشّرعيّة الانتخابيّة"؛ مدائحُ ردّدتْها حناجرُ الجوقةِ بفخر واعتزاز وامتنان... كأنّما الرّعيّةُ التّجمّعيّةُ بُعثتْ من سباتها أصلبَ عُودًا، فانبرتْ تثأرُ لنفسها من الصّمتِ القسريّ الّذي لاذتْ به من ثورةٍ غادرة مغدورة!
واضطُرَّ فريقُنا الفقيرُ إلى ربّه عددا وعُدّة إلى الاكتفاء بالممرِّ الضيّق الّذي يُحاذِي أحدَ جدران "مجلس التّأسيس للاستبداد الوهّابيّ النّاشئ". هناك تراكمتِ شتّى التّعزيزاتِ الأمنيّة المدجّجة بالعتاد وهي في حالة استنفار قُصوى لا تلائم ضآلةَ الحدث وبُؤسَ المحتجّين؛ بيد أنّها وَقتْنا باقتدارٍ مشكور هجماتِ "التّتار" الملتحِي دون سابق إعلام وردّتْ عنّا غزواتِ "المغول" المتأسْلِم على حينِ غِرّة!!!
كنّا كالفئران في مِصْيدة ملغومة مسمومة: الجدارُ وراءنا، السّياجُ الحديديّ أمامنا، وحداتُ التّدخّل على يمينِنا، "الرّوابطُ" على مرمَى البصر منّا تتربّص بنا وتُلقي علينا من السِّباب سيولا ومن الشّتائم ما ثقُل سماعُه ودوّى صداه. أضْيعَ من الأيتام على مآدب اللّئام كانتْ "ثورةُ الحرّيّة والكرامة"؛ ثورةُ شباب ضيّع الأحلامَ وضيّعتْه سبُلُ الحياة الحقِّ؛ ثورةُ الجياع إلى قُضْمةِ الخبز، إلى جِدّةِ الهواء، إلى صرخة الوجَع!
قال لي مصوّرٌ صحفيّ أجنبيّ: «لا شيءَ هنا يستحقّ التّصويرَ». والحقَّ ما قال. كان يوما كئيبا بائسا مُحبِطا. فيه أسقطَنا من حساباتِه المجتمعُ المدنيّ المتبجّحُ بيقظته وقوّته لأسباب أُدرك عدمَ وجاهتها، تخلّتْ عنّا الأحزابُ المعارِضة في آخر لحظة حتّى تنفيَ عن نفسها تهمةَ التّشكيك في "شرعيّة انتهاء الشّرعيّة"، أغمض عنّا الإعلامُ العموميّ والخاصّ عيونَه العمشاءَ خوفَ أنْ يلتصقَ به "العارُ" الّذي ما زال يلاحقه كظلّه حتّى عُقرِ داره...
قضّيتُ هناك سبعَ ساعات لأعودَ من حيث أتيتُ أجُرّنِي جَرّا خاويةَ الوِفاض من الثّقة في السّاسة جميعا. يومَها دفنتُ المعارضةَ "المجلسيّة" وقرأتُ الفاتحةَ على الرّوح الضّالّة للقُوى المدنيّة ونثرتُ رمادَ الجثثِ النّخبويّة على مزابل الأرصفة وضحكتُ من سذاجتي الثّوريّة حتّى العويلِ الأخرس.
ولأنّ خواءَ ذاك اليوم اجتاحَنِي، ما استطعتُ سكْبَه في لهيبِ الكلمات إلاّ الآن؛ الآن بعد أن سَكن الجليدُ أوردتي ووَهنَ العظْمُ منّي.
فوزيّة الشّـطّي
تونس: 28 ماي 2013