إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2014/10/27

تونسُ تنتخب: قراءةٌ في النّتائج الأوّليّة


تونسُ تنتخب: قراءةٌ في النّتائج الأوّليّة
مِن النّتائج الأوّليّة المسرَّبة للانتخابات التّشريعيّة التّونسيّة الّتي جرتْ داخلَ البلاد أمسِ (26 أكتوبر 2014) أخرجُ بملاحظات عامّة في انتظار أن تُصرّح "الهيئةُ العليا المستقلّة لانتخابات" رسميّا بالنّتائج الأوّليّة وفي انتظار التّصريح بالنّتائج النّهائيّة بعد تقديم الطّعون إلى المحكمة الإداريّة والبتّ فيها:
أوّلا: كان المالُ السّياسيّ هو العاملُ الأكثرُ حسْما في توجيه خيارات النّاخبين وفي حيازة المقاعد داخل البرلمان القادم. فلم تنظرْ الأغلبيّةُ العظمَى من النّاخبين في البرامج الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة للمترشّحين ولا في نزاهتهم الأخلاقيّة. إنّما انصبّ اهتمامُها على مقدار ما يكدّسون من ثرواتٍ مشروعةً كانت أو مشبوهةً. على هذا الأساس كان انتصارُ "نداء تونس" و"حركة النّهضة" و"الاتّحاد الوطنيّ الحرّ" هو انتصارا للمال ولرجال الأعمال (بمَن فيهم ذوي الثّروة المسروقة من الجيران!) لا للدّيمقراطيّة النّاشئة المتعثّرة ولا لأهداف ثورةٍ منقوصة مغدورة.
ثانيا: أكّدتْ هذه النّتائجُ المتوقَّعةُ أنّ "استقلالَ" دول العالم الثّالث (المسمّاة كذبا وبُهتانا: دولا نامية) لا تكادُ تخرجُ عن احتمالاتٍ ثلاثة: خدعةٌ حبَكها غُزاةُ الأمس القريب وانطلتْ علينا، أو كذبةٌ صنعناها لأنفسنا ثمّ سريعا ما صدّقناها لحاجتنا إليها، أو دعايةٌ أنتجَها كتَـــبَةُ "التّاريخُ الدّوليّ الرّسميّ" المأجورون وروّجها "إعلامُ العار" الغربيّ... وبناءً عليه تتحدّد نتائجُ الانتخابات "الوطنيّة" في كواليس السّفارات الغربيّة قبل الشّروع في "تمثيل" العمليّة الانتخابيّة.
أمّا مَن صَدّق عن طيبِ خاطر أنّ الانتخابات في أوطاننا المستباحة "حرّةٌ مستقلّة نزيهة شفّافة" بشهادة "مراقبين دوليّين" تمّ انتقاؤُهم بحنكة ورويّة ليُضْفُوا الشّرعيّةَ على ما لا شرعيّةَ حقيقيّةً له، أدعوه إلى أنْ ينظرَ في التّاريخ قريبِه وبعيدِه. ففيه من "العِبَر" ما يُشيِّب شعرَ الرّضيع!
ثالثا: لم يبلغ النّاخبُ التّونسيّ من الوعيِ السّياسيّ ومن الاستقلال الذّاتيّ ما يجعله يختار بنفسه لنفسه. إنّما نجده ما زال يُكابِد الحاجةَ الملحّةَ إلى "وصاية" تُملي عليه ما سيفعل ببطاقة الاقتراع الّتي تمثّله هو دون سواه. فقد أعادتْ علينا انتخاباتُ 2014 "سيناريو الاقتراع الأعمى" الّذي كُنّا شهدناه في انتخابات 2011. إذْ يسيرُ النّاخبون سيرَ القطيع نحو المشاريع الانتخابيّة الوهميّة: اِدّعى "الإخوانُ" قبْلا صلاحا وتقوى ونظافةَ يد وحفظا للأمانة لأنّهم "يخافون اللّه كثيرا". فصدّقهم النّاخبون بسذاجة الطّفل الغِرِّ، وانتخبوهم أفواجا. ويدّعي أربابُ "النّداءُ" الآنَ أنّه حزبَهم هو "المنقذُ الأوْحدُ من براثن الإرهاب الإخوانيّ". وبنفس السّذاجة انساق النّاخبون وراءهم لا يَلوُون على شيء.
أولئك أوهموا النّاسَ بتقويض دولة الفساد والاستبداد. ثمّ رأيناهم ينخرطون فيها بنَهَمٍ فضائحيّ مَرَضِـيّ مُـخزٍ وينهبون من خيراتها المهدورةِ أكثرَ مـمّا فعل الطّاغيةُ وعصاباتُه المحترفة. وهؤلاء أوهموا النّاخبَ الخائفَ على أمنه المصدومَ من خيانات الإسلاميّين بالعودة إلى ما كنّا عليه من "دولة الأمن والأمان" (الشّعارُ المفضّل لدى "زين العابدين بن عليّ" الّذي كان يُشْهِره في وجه دُعاة حقوق الإنسان حتّى يُفْحِمَهم). واكتفى النّاخبُ القاصِرُ نفسيّا وثقافيّا بالأمل الضّبابيّ في أنْ "نعود كما كنّا"!!! لم تعدِ البطالةُ المزمنةُ أو السّيادة على الثّروات الباطنيّة الوطنيّة أو العدالةُ الجبائيّة أو محاربةُ الفساد الّذي يلتهمُ ثلثَ النّاتجِ الوطنيّ الخامّ على الأقلّ... مِن هواجسِ النّاخب المرتـجِف رُعبا بسبب "فزّاعة" الإرهابِ المصنَّعِ على المقاس.
ولأنّه لا عداوةَ دائمةٌ ولا صداقةَ دائمةٌ في الممارسة السّياسيّة فلا شيءَ يمنع أن يضعَ "المتَّهمُ الأوّلُ برعاية الإرهاب" يدَه المسبِّحة بذِكْر اللّه وحمْده في اليدِ الخبيرةِ المتنفِّذة لـهذا "العازمِ على تخليصنا من ذاك الإرهاب نفسِه". ولا شيءَ ينفِي أن يقتسما الغنيمةَ قسمةَ "الإخوةِ الأعداءِ" دون أن يقرؤوا لناخبيهم أيَّ حساب، خاصّة وأنّهما توافقا سلفا على برنامج اقتصاديّ مُوغِل في اللّيبراليّة أساسُه: اقتصادُ السّوق وتقنينُ استعباد العمّال والعمالةُ للشّركات المتعدّدة الجنسيّات والخضوعُ لإملاءات "صندوق النّقد الدّوليّ" والانخراطُ في ماكينة رأسمالِ المتوحّش الّذي يُحرّك ساسةَ القوى العُظمَى كما تُحرَّك الدُّمَى البكماءُ الصّمّاء.
فوزيّة الشّطّي
تونس: 2014.10.27