إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2016/11/06

الانحِطاطُ الحضاريّ كُلٌّ لا يكادُ يتجزّأ

الانحِطاطُ الحضاريّ كُلٌّ لا يكادُ يتجزّأ
أَسْهَمَ العربُ في الاخْتراعاتِ العِلميّةِ إسْهامًا جَلِيًّا عندما كانتْ حضارَتُهم قوِيَّةً مَنِيعة مُنفتِحة. وهَزُلت اختراعاتُهم لـمَّا ضعُفتْ حضارتُهم وتفكّكتْ وانغلقتْ. لِـماذا؟
يُثبتُ التّاريخُ الإنسانيّ أنّ العربَ المسلمون قد أسهموا في الاختراعات العلميّة إسهاما ضخما عندما كانتْ حضارتُهم قويّة منيعة منفتحة. أمّا عندما آلتْ هذه الأخيرةُ إلى الضّعف والتّفكّك والانغلاق فقد هزلتْ اختراعاتُهم حتّى كادتْ تغيبُ. فمَا أسبابُ ذلك؟
لـمّا مدّ العربُ المسلمون سلطانَ حضارتهم في ربوعٍ شاسعة اكتسبُوا مناعةً وثِقة في الذّات جعلتْهم لا يخشوْن الآخرَ، إنّما يتعايشون معه ويتعلّمون منه. لذا نشِطت العلومُ والفنونُ والصّنائعُ في عصرهم. فتراكمت المعارفُ. وكانت الاختراعاتُ العلميّة حصيلةً طبيعيّة للبحث العلميّ المتشعّب الدّؤوب. ولأنّ العربَ كانُوا حينَها في موقع قوّةٍ سياسيّا وعسكريّا وثقافيّا فإنّهم استثمرُوا نبوغَ علمائهم وزوّدوهم بما يحتاجون من مالٍ وأدواتِ عملٍ. زدْ على ذلك أنّهم استقطبُوا الأدمغةَ من الحضارات المجاورة (كالفرس والرّوم..) مانِحين إيّاهم ظروفَ البحث العلميّ الملائمةَ. وهذا شأنُ كلّ حضارة قوِيتْ شوكتُها ومنُعتْ ضدّ الأعداء وانفتحتْ على الآخر. إذْ تصبِح فضاءً رحبا للإبداع العلميّ والفنّيّ على حدٍّ سواء.
لكنْ عندما ضعفُت الحضارةُ العربيّة الإسلاميّة وتفكّكتْ أوصالُها وانغلقت في وجه الوافدين والمجدّدين، تقلّص مجالُ البحث العلميّ أو انعدم. فصارتْ هجرةُ الأدمغة نزيفا حادّا يُفرغ بلدانَنا من ذوِي الموهبة الفذّة لينتفعَ بهم المنافسون والخصومُ والأعداء. وتكمنُ علّةُ هذا النّزيف في أنّ هؤلاء لا يجِدون في بيئتهم الأصليّة ما يسمحُ بالبحثِ العلميّ وتصنيعِ الاختراعات وترويجِها. فيرحلون إلى حيثُ الحفاوةُ والتّشجيعُ وحسنُ الجزاء والأبوابُ المشرعَة. والواضحُ أنّ الحضارةَ الّتي يصيبُها الوهنُ والانحلالُ والتّفسّخُ تميلُ عادةً إلى الانغلاق على ذاتها رغبةً في إنقاذ ما يمكن إنقاذُه من خصوصيّاتها. وهكذا تنقطعُ صلتُها، أو تكادُ، بركْبِ العلومِ السّائر دوما إلى الأمام بلا توقُّف. حتّى إنّها تخسرُ مستقبلَها دون أن تستطيعَ حمايةَ ماضيها. فالقاعدةُ التّاريخيّة تؤكّد أنّ مَن لا يتقدّمُ فهو يتأخّرُ. بسببِ هذه العِلل المتشابكة صِرْنا عالةً على الحضارات المنتجةِ للعلوم: نستهلكُ ما لا نُنتجُ، ونحصِدُ ما لا نزرعُ، وندفعُ ثمنَ المنتوجات العلميّة أضعافا مضاعفةً.
نستنتجُ من هذه المقارنة الضّدّيّة أنّ العلومَ، تماما كالفنون، هي جزءٌ لا يتجزّأ من الكيان الحضاريّ الحاضنِ: تُثمِرُ كلّما خَصِب، وتَضْمُرُ كلّما أجْدَبَ. فالعلُومُ تقتاتُ من باقي المجالات بقدْرِ ما تُثريها.
فوزيّة الشّطّي
تونس في: 2016.10.30

2016/11/05

أيّام قرطاج السّينمائيّة 2016: ضدّ الاغتيال


أيّامُ قرطاج السّينمائيّة 2016: ضدّ الاغتيال
لماذا انهالَ فجأة (2016.11.02) لقبُ 'فارس' على مدير "أيّام قرطاج السّينمائيّة"، والحالُ أنّ هذه الدّورة كارثيّةُ التّنظيم مختلّةُ البرمجة خائنةٌ للهويّة العربيّة الإفريقيّة مع سبْق الإضمار والتّرصُّد، سادَ فيها امتهانُ الضّيوف والجمهور والفنّ السّينمائيّ على حدّ سواء؟!
- أوّلا: لأنّ 'فارس' الفرنكفونيّة الاستعماريّة قد ألغى اللّغةَ العربيّة الفُصحى من مطويّة البرنامج دون وجه حقٍّ، فارضا فرنسيّةَ أسيادِه وأولياء نِعمته، مُغازِلا إنقليزيّةَ الإمبرياليّة الأمريكيّة. هكذا وجدْنا عديدَ الضّيوف العرب الّذين لا يقرؤون الفرنسيّةَ تائهين بحثا عن الأفلام والقاعات لأنّ إدارةَ النّسخة الهزليّة من "كَانْ" لم تقرأْ لهم حسابا. ومِن فضائح هذه المطويّة أنّ عنوانَ الفيلم السّوريّ "منازلُ بلا أبوابٍ" قد تُرجم بكلّ وقاحة: ABWAB MANAZIL BELA.
قانونيّا: مطويّةُ البرنامج مخالفةٌ للدّستور التّونسيّ الّذي يَنصّ على أنّ العربيّةَ هي اللّغةُ الرّسميّة للجمهوريّة التّونسيّة الثّانية. لذا، أيّها 'الفارسُ'، لك أن تفرضَ فرنسيّتَك هذه لوْ كنتَ مديرا لمهرجان "كَانْ" السّينمائيّ أو ما شابهَ. أمّا "أيّامُ قرطاج السّينمائيّة" فهي عربيّةُ الرّوحِ واللّسان والانتماء رغم أنفِ المنْبتّين الانتهازيّين المأجورِين جميعِهم.
- ثانيا: لأنّ 'نخبةً' من المافيا الثّقافيّة في تونس تسعى إلى الاستيلاء على أقدمِ مهرجانٍ سينمائيّ في أفريقيا بمحاولة سَحْبِ البساط من وزارة الثّقافة وتسليم 'الغنيمة' إلى "جمعيّة" (مشبوهة مئة بالمئة). أمّا التّعليلُ المقنَّعُ فهو الحرصُ على الاستقلاليّة الإداريّة والماليّة للأيّام. وأمّا الغايةُ الأبعدُ فهي القضاءُ على الهويّة العربيّة والإفريقيّة الّتي على أساسها بنى المرحومُ "الطّاهر شريعة" مشروعَه. والدّليلُ على 'المؤامرة' إغراقُ برنامج هذه الدّورة بالأفلام الغربيّة (بعضُها لا يستحقّ مجرّدَ الذّكر. فكيف بالعرضِ في مهرجان عريق؟!) أغلبُها من فرنسا، وبعضُها من بلجيكا وكندا وفنلندا وألمانيا وإنجلترا وبولونيا والدّانمارك وهولاندا ورومانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة.
تعملُ المافيا الثّقافيّةُ على قدمٍ وساق كيْ تُصيِّرَ "أيّام قرطاج السّينمائيّة" سوقا تجاريّا مُربحا للأفلام الغربيّة الرّديئة تزيّنُ واجهتَه بعضُ الأفلام العربيّة 'المطبِّعة' والإفريقيّة 'المهادِنة'. إنّ مهرجانا يحتفي بالسّينما النّضاليّة التّحرّريّة كفيلٌ بإزعاج الغربِ الصّهيونيّ الحريص على تصديرِ فائض الإنتاج من السّموم 'الثّقافيّة' نحو 'عالمٍ ثالث' يجبُ أنْ يظلّ في انحدارٍ دائم إلى أسفل السّافلين.
من أجل ذا يُتوَّج 'الفرسانُ': تخريبُ القليلِ الّذي صَمدَ من المنارات الثّقافيّة الوطنيّة والإقليميّة كيْ لا تبقَى حجرَ عثْرةٍ في طريق الاجتياح اللاّثقافيّ.
ملاحظة:
الفيلمُ الفائز بالتّانيت الذّهبيّ هذه الدّورةَ ليس له من الهويّةِ التّونسيّة إلاّ الجنسيّةُ. أمّا اللّغةُ الغالبةُ على السّيناريو فهي الفرنسيّة، وأمّا مكانُ التّصوير فهو الكندا. ولو لمْ يكن «زينبُ لا تُحبّ الثّلجَ» فرنكفونيّا روحا ودما لَـما حاز جائزةً كان يجبُ أن تُسْندَ بجدارةٍ واستحقاق إلى أحد هذيْن الفيلميْن: المصريّ «اشتباكٌ» أو الفلسطينيّ «3000 ليلة». ولكنّ اللّجنةَ خضعتْ، على ما يبدُو للإملاءات أو الإغراءات خضوعا يتعارضُ مع مهمّتها الرّسميّة: وهي الانتصارُ القاطعُ لجماليّةِ الفنّ السّينمائيّ أوّلا وأخيرا.

فوزيّة الشّطّي
تونس: 2016.11.05