إجماليّ مرّات مشاهدة الصّفحة

2011-08-29

ترى ما تريد


                                               ترَى ما تُريد!
[نُشر في "الشّعب": عدد 1027، بتاريخ: 2009.06.20]
 
     تنصبُّ العينُ الإعلامية الثّاقبةُ على مُدرِّسي شتىّ المراحلِ التّعليميّةِ الّذين أُشِيعَ - حقًّا أو باطلاً- أنّهم يبتزُّون التّلاميذَ والأولياءَ بما يُسمَّى "الدّروس الخصوصيّة"، وتُقدِّمهم في أبشع الصُّور الجادّة والسّاخرة. وتتصدّرُ التّلفزةُ هذه الحملةَ الشّرِسة لأنّها الأقدرُ على اقتِحام البيوت بسُلطانِ الصُّورة القهَّار.   
     في هذا نقولُ: إنّ المتاجرةَ بالأعدادِ عن طريق الابتزازِ المتنوِّعِ الأشْكال والدّرسُ الخصوصيُّ منْ أهمِّها- جريمةٌ ضدّ أخلاقِ العلم أوّلا وقبل كلِّ شيء، ضدَّ حقوقِ المتعلِّم ثانيا، ضدّ هيْبةِ المدرِّس الّتي سريعًا ما تُخْدَشُ وكثيرًا ما تُهَان. ومثَلُ المدافِعِ عن الفئةِ الّتي ثَبتَ تورُّطُها في هذا الابتزازِ كمثَلِ "مُحامي الشّيطانِ"، عليه أنْ يقفَ ومُوَكِّلَه وِقفةَ الْمُدَانِ في قفصِ الاتّهامِ نفسِه.
     لكنّ الغريبَ في الأمر أنّ هذه العينَ - السُّلطةَ لا ترى المدرِّسَ الّذي يقاسِي الأمرَّيْن في الأريافِ النّائية الْمُعدَمةِ حيثُ عليه أن يعلِّمَ التّلاميذَ كيف يجلسون إلى طاولةِ الدّرس قبل أن يعلِّمهم فكَّ الحروفِ وتجميعَها وحيث تتبخّرُ أحلامُه في انتظارِ نُقلةٍ الصُّعودُ إلى القمر أيسرُ منها منالا. لا ترى المدرِّسَ الجادَّ الأمينَ الّذي اختاره إطارٌ بيداغوجيٌّ مهزوزُ الكيانِ في أكثر الأحيان كيْ يُصعِّدَ فيه عُقَدَه النّفسيّةَ والعلميّةَ أو يفرضَ عليه المصادقةَ على "جَرائمَ" ما أنزل اللّهُ بها مِنْ سلطانٍ. فإذا لم يرضخْ لقِيَ ما يلقاهُ عاملٌ في "حضيرةِ بناءٍ" من ربِّ العملِ الآمرِ النّاهِي إذا رفضَ أنْ يغُشَّ في الحديد والإسمنت رِبْحا للوقتِ ولِلنّفقةِ! لا ترى المدرِّسَ وهو يعيش الرّعبَ داخِل قاعةِ الدّرس وخارجَها جرّاءَ جُنوُحٍ تَلْمَذِيٍّ يكاد يصِل حدَّ الظّاهرةِ، هذا إنْ لم يكنْ وصلَها بعدُ [على علماءِ الاجتماعِ أنْ يَبُتُّوا في الأمرِ]. لا تراه يتلقَّى منَ العنفِ المعنويّ [تسوُّلُ الأعدادِ أجلَى مظاهرِه] والعنفِ اللّفظيِّ الّذي يُخجِل الحيوانَ والجمادَ ومِنَ الصّفعاتِ واللّكمات والرّكلات ما جادتْ به قرائحُ أولياءٍ أعْماهُم الحِقدُ على مَنْ  يملكُ بين يديْه مفاتيحَ جنّةِ العلمِ والمعرفةِ. ولكنْ يُوصِدُ أبوابَها في وجهِ فلَذاتِ أكْبادِهم شُحًّا أو شماتةً أو كُفرًا بنعَمِ اللّه. وها نحن نسمعُ بين الحينِ والآخر ما يُثبتُ أنّ المدرسةَ التّونسيّة بصَددِ التّحوُّلِ حَلبةَ صِراعٍ البقاءُ  فيها للأقوَى عَضَلاً لا عقلاً!
     تلك العينُ ذاتُها لا ترى المدرِّسَ وهو يصارِع إلزاماتِ الإدارة – مباشِرةً كانتْ أو جهويّةً أو وطنيّة - الّتي تُمسِك البيروقراطيّةُ برِقابها. إذ يدفعُ وقتَه وجُهدَه ومالَه ليتزودَ بأدواتِ العمَل ومصادرِهِ وليزوِّد بها تلاميذَه دون أنْ ينتظرَ على ذلك جزاءً أو شُكورا. يَكفينا شاهِدا على ما ندّعِي أنّنا إذا طلبْنا كتابًا لازمًا توفُّرُه في مكتبةِ المدرسة لمصلحةِ التّلاميذ سيمرُّ المطلبُ عبرَ متاهاتٍ تتقاطعُ وتتداخل حتّى يصلَ بقُدرةِ قادرٍ إلى "اللاّمكان" حيث يَستوطنُ قريرَ العين لكنْ يائسًا من الفوزِ بتذكرةِ الإيّاب.
     لا ترى المدرِّسَ مُتمزِّقا بين مذاهبَ تعليميّةٍ شتىَّ أقرَّها ساكِنُو المكاتبِ الظّليلة المكيَّفة الّذين يجدون "كندا" أقربَ إليهم من "الورديّة" أو "الفوّار" أو "شُربان"... وكلّما انْتابتْهم نوبةُ إلهامٍ [الطّريفُ حقًّا أنّها مُستورَدةٌ دائمًا وأبدًا] جنّدُوا "فئرانَ المخابِرِ" مِنْ مدرِّسين ومتعلِّمين، وأوْكلُوا إليهم مُهِمَّةَ تصْيِيرِ النُّحاسِ ذهَبا والنّعامةِ جَمَلا! أمّا الفشلُ المحقَّقُ المتربِّص بهذه المذاهبِ المسْقَطَة مِنْ عَلٍ فعلى كاهِل المدرِّس ينصبُّ كَـ"حِجارةٍ منْ سِجِّيل"، وأمّا الْمُنَظِّرُ المتعالِي على هذه الأرضِ الطيّبة فلَه براءةُ الاختراعِ أوّلا والتّبرئةُ مِنْ كلِّ مسؤوليّةٍ ثانيا ومِنه أخيرا لا آخِرا، خالصُ الاعتذارِ على تضيِِيع مواهبِه هدَرا!
     لا ترى تلك العينُ المدرِّسَ الّذي إذا طالب بحقٍّ مشْروعٍ لا غُبارَ عليه طاردَه "قانونُ الغابِ"، فلَوَى ذِراعَه وعقدَ لسانَه واسْتَلَّ بذْرةَ التّمرّدِ والعِصيان مِنْ "خارطتِه الجِينيّة". ثمّ مثَّلَ بروحِه وجثّتِه معا، وعلّقَهما على أبوابِ المدينة كيْ تَجِفَّا على مَهلٍ عِبرةً لِمن يعتبرُ! ذاك "القانونُ - الشَّبحُ" الّذي يجولُ طيفُه في المدرسةِ التُّونسيّةِ وما يتّصلُ بها مِنْ مؤسَّساتٍ مُصفِّيا الخصومَ والأعداءَ غيرَ تاركٍ مِنَ الآثار على جرائمِه المافيويّة [نِسبةً إلى "المافيا" زعيمةِ الجريمة المنظَّمة] إلاّ ما يمكنُ أنْ تدركُه فِراسَةُ المقتفِي المتمَرِّسِ...
     وغيرُ هذا عدَدٌ عدِيدٌ مِمّا لا تريدُ العينُ الإعلاميّة الثّاقبة أنْ تراهُ. فلِمَ ترى ذاك وتتعامَى بصيرتُها عن هذا؟ لمصلحةِ مَنْ تمارسُ سياسةَ الكيْلِ بمكياليْن: أوّلهُما أَوْفَى الميزانَ حتّى فاضتْ جوانبُه، وثانِيهما أُلقِمَ غَبنًا وإقصاءً وتشْوِيهًا؟ أَبيْنَها وبينَ المدرِّسِ ثأرٌ قدِيمٌ يُغلِّي الدّمَ في العروقِ؟
     لقد أضحتْ الدّروسُ الخصوصيّةُ "وصْمَةً" يُتّهَمُ بها كلُّ مدرِّس حتّى وهو مِنها بَرَاءٌ. فالرّأيُ العامُّ التّونسيُّ اقتنعَ إلى أجلٍ غيرِ مُسمًّى بالعلاقةِ الشّرطيّةِ التّلازُميّةِ بين أنْ تكون مدرِّسا وأنْ تكون تاجِرًا جوّالاً بِبضاعةٍ نافِقةٍ لم تؤثِّرْ فيها الأزمةُ الاقتصاديّةُ العالميّةُ إلاّ عكسيًّا! لكنّه يتناسَى أنّ هذه الآفةَ هي، في أحدِ وُجوهِها، ثمرةُ ما أصابَ  مدرستَنا مِنْ  تورُّمٍ في المناهج وتضخُّم في المحتوى المعرفيّ لَم يتركَا للتّدريبِ ولِلمراجعةِ ولإصلاحِ الأخطاء... سِوَى ما يذُرُّ الرّمادَ على العيون. يكفِي إلقاءُ نظرةٍ إحصائيّة على برامجِ الرّابعة ثانويّ مثلا كيْ ندركَ أنّها تُعذِّب أكثرَ ممّا تُكوِّن وأنّها تستنْزفُ الطّاقةَ الذّهنيّةَ والبدنيّة أكثرَ ممّا تَدفعُ المتعلِّمَ إلى إعْمالِ العقل الفرديّ وتجريبِ الإمكانيّات الذّاتيّة فيما يتهاطلُ عليه مِنْ طُوفانِ الدّروس. وقدْ صدقَ المثلُ الشّعبيُّ عندما رمَز إلى صُعوبةِ أيِّ أمْرٍ بالقولِ: «أصعبُ مِن الباك». وأرجِّحُ أنّ التّضخُّمَ الكَمِّيّ للبرامجِ ولساعاتِ الدّرسِ هو أهمُّ مُسبِّبات هذه الصّعوبة. ضِفْ إلى ذلك ثمنَ الدّرسِ الخصوصيّ الّذي يُرهِق ميزانيّةَ العائلاتِ التّونسيّة لأنّه صار شرًّا لا بدَّ منه، وربّما اُعتُبرَ أوْلىَ مِنَ الغذاءِ السّليم أو الدّواءِ الشّافي.          
     إنّ انحطاطَ المستوى المعيشيِّ الّذي صارتْ تكابدُه الطّبقةُ المتوسِّطة والمدرِّسُ منها لا يمكنُ أنْ يبرِّرَ امْتصاصَ دَمِ الآخرين. خليقٌ بنا أنْ نُناضلَ فرديّا وجماعيّا مع الوعْيِ العميق بالمصلحةِ العامّة لنكتسبَ حقَّنا في حياةٍ أوفرَ كرامةً لا أنْ نلتهمَ الخبزَ المرَّ الّذي يجنِيه أولياء كادِحون مكْدُودُون. ثمّ إنّ الدّرسَ الخصوصيّ ظهر لسدِّ النّقصِ في بعض الموادِّ عند بعض المتعلِّمين، وجعلُه درسًا "إلزامِيّا" مُوازِيا للحِصصِ الرّسميّةِ أو بدِيلا عنها في عديدِ الحالاتِ يزيدُ مستوى تلاميذِنا تدنِّيا ومدرستَنا عبثيّةً ومدرِّسِينا هشاشةً وتهميشا.
   بالتّوازي مع هذا عيبٌ على الإعلامِ الوطنِيّ أنْ يُهدِرَ طاقتَه في تأليبِ المتعلِّم والوليِّ على المدرِّس وأنْ يقدِّمَه لِناظريْهما عدُوًّا شرِسًا تجميعُ المالِ ديدنُه وعلّةُ وُجوده، عيبٌ عليه أنْ يُدمِن سياسةَ «كبشِ الفِداء» الْمُعَدِّ للسّلخ حيّا دُون الاجتهادِ في تعليل الظّاهرة وتفكيكِ أسبابها المعلَنة والخفيَّة، عيبٌ مَعِيبٌ أنْ يرى بعينٍ واحدة تَحْوَلُّ أحيانا وتَعْمَشُ أخرى، وربّما كَلَّتْ ونامتْ مِلءَ جُفونِها عن شوارِدِ الهُمومِ الجَمْعِيّة الحقيقيّة.   

فوزيّة الشّـطّي
تونس: 2009.05.29
      



مقال: (أبناءُ المهْجر: بين الانغلاق والانبتات)، 2010.6.03



أبناءُ الْمهجر: بين الانغلاقِ والانبتات
[نُشر في "الْموقف": 2010.06.25]

    يومَ الأحد [2010.05.09] ناقش برنامجُ [الْحَلبة L’Arena ] في قناة "راي 1" حادثةَ تغريم امرأةٍ مسلمة بخطيّة قدرُها [500 أورو] لأنّها ضُبطت في الشّارع لابسةً الْبرقعَ الّذي لا يُظهِر إلاّ عينيْها. مع أنّ الْقانونَ الإيطاليّ يمنع تجوُّلَ أيِّ إنسان مخفيِّ الْوجه. تكلّم زوجُها التّونسيّ بإيطاليّةٍ ضعيفة نيابةً عنها في نقطةِ ربط خارجيّة. وعَلّل ذلك بأنّ زوجتَه تجنَّبتْ نيابةَ نفسها خوفا من خطيّة ثانية إنْ خرجت متبرقعةً، مؤكِّدا أنّها اختارت "اللّباسَ الإسلاميّ" بمحضِ إرادتها وتمامِ اقتناعها، مدّعِيا أنّهما فوجئا بالْعقوبة لأنّهما يجهلان ذاك النصَّ الْقانونيّ الْحديث نسبيّا.
   بكثيرٍ من الْحِرفيّة استلَّ مقدِّمُ الْبرنامج من الزّوج اعترافا بأنّ زوجتَه لا تغادر البيتَ إلاّ مرّةً أسبوعيّا بصحبته لأداءِ صلاة الْجمعة في الْمسجد. بالاستدراجِ تبيَّن أنّهما يعرفان الْقانونَ الْمذكور قبل حادثة التّغريم. هذا لأنّ الزّوجَ برَّر "حبْس" زوجته بصدورِ ذاك الْقانون. عندها أدان الْمقدِّمُ استغلالَ الْقانون ذريعةً للعودة بالنّساء إلى وضعٍ قروسطيّ. انتهى النّقاشُ إلى أنّ غطاءَ الْوجه أيّا تكن مسوِّغاتُه ينفي هويّةَ الشّخص الّذي يضعُه طوعا أو كرها وأنّ "مَنْ لا وجهَ له لا وُجودَ له". فهو مجرّدُ "شبحٍ" مُخيف. رغم قسوةِ الْحصار الّذي ضَربه مقدِّمُ الْبرنامج حول الزّوجِ الْمتظلِّم-الْمُدان فقد عدَل في توزيع التّدخّلات وظلّ موضوعيّا محايِدا.
   ما يستدعي التّفكُّرَ هو تمسُّكُ الأقلّيّات الْمسلمة -الْعربيّةِ منها خاصّةً- بالْبرقعِ كما لو أنّه لواءُ الانتماءِ الأوحدُ، تعتصمُ به كأنّه الْعروةُ الْوُثقى الّتي تُثبِّت أقدامَها على رمال متحرِّكة وتُثبِت وجودَها في عالَم غريب لا هي تنتمِي إلى مجالِه الْحيويّ ولا هو ينتمِي إلى روحِها الْمهجَّرة. لأنّ الثّقافةَ العربيّة الإسلاميّة قد اهترأتْ مقوِّماتُها وتفكَّك بنيانُها غيرُ الْمرصوصِ لم يبقَ للمهاجرين مِن رموز الْهويّة إلاّ الْعاملُ الدّينِيّ. الْمعتقَدُ الّذي بَلغ أقصاه [أعني ما يُسمَّى تطرُّفا] يهَبهم إمكانيّةَ التّكتُّل للاحتماء مِن خطر "الآخرِ" الْمتحصِّنِ في أرضه الْمتحكِّمِ في رِقابهم الْمؤمنِ بتفوُّقِه الْحضاريّ وحتّى الْعرقيّ عليهم. ينتمي هذا "السّلوكُ الرّمزيُّ" إلى مجال السّياسة الْوقائيّة الّتي تَلجأ إليها الأقلّيّاتُ إنْ في بلدانها الأصليّة أو في الْمهجر. أمّا يهودُ أوروبا فأمسكُوا، بالتّوازي مع انغلاقهم الْعرقيّ والدّينِيّ والثّقافِيّ، بمخانقِ الاقتصاد هناك [كالْمصارفِ و تجارةِ الذّهب] قبل "الْمحرقة الْمزعومة" حتّى يسُدّوا نقصَ الْعدد ويُلجِموا عداءَ الْمعتقَد.
   يتبرقعُ الْمسلمُ الْمقيمُ في الْغرب [بصيغةِ الْمذكَّر أعنِي الْجنسين لأنّ الرّجلَ الّذي يُجبر امرأةً على التّبرقعِ هو مُتبرقعٌ معها: يُكفِّر عن سُفورِ وجهه بطمسِ ملامح وجهها] ليقولَ للبلد الْمُضِيف: "أنا أرفضُك بقدر ما ترفضُني"، ليُعلن عزلتَه ثأرا لنفسه مِن الإقصاء والتّهميش والتّشويه. هذا الْمسلمُ الْمتَّهم بالإرهاب إلى أن تثبُتَ براءتُه يَتمرَّد مِن وراء حِجاب. فيُطيل الْحجابُ إقامتَه في قفصِ الاتّهام.
   أضْحت الْعصبيّةُ الْعقَديّة "وطنا" دستورُه الشّريعةُ الْمسيَّسة حدَّ التُّخمة، حكّامُه الْمُفتون الّذين تنَصَّب كلٌّ منهم ناطقا رسميّا باسم الذّات الإلاهيّة أو وكيلَ أعمال "خازن الْجنان" [شخصيّةٌ قَصصيّة في "رسالة الْغفران" لأبي الْعلاء الْمعرّي]. هي عصبيّةُ مَن لا عصبيّةَ حقَّةً له، زادتْها الْغربةُ انطواءً وهشاشة وعِدائيّة.
   بالتّوازي مع ذاك اختارتْ فئةٌ مِن الْمهاجرين سياسةً وقائيّة أُخرَى. هي الانبتاتُ الصّريحُ عن الْوطن الأمّ بما يُمثِّل مِن خصائص ثقافيّة وقضايا مصيريّة وإرث حضاريّ. ولأنّ نُصرةَ الْقضيّة الْفلسطينيّة ما تزال أهمَّ دلائل الانتماء حسْب الْعربِ وأقوى أمارات التّعصّب الإرهابيّ حسْب الْغربِ، فقد أعلنتْ فئةُ الْمُنبتِّين ولاءَها الْمطلقَ "للْكيان الصّهيونيّ" وإيمانَها بشرعيّةِ وجوده وبحتميّةِ جرائمه ضدّ الإنسانيّة وانبهارَها بمعجزاتِه الاقتصاديّة والْعلميّة والسّياسيّة. هذا الْموقفُ "بيانٌ سياسيّ" يُقدِّمه الْمنبتُّون عُربُونَ وفاء وانتماء إلى عالَم يحلمون بالانخراط في نسيجه الْمغلَق دونهم، يغازلون به جماعاتِ الضّغط الصّهيونيّة [اللّوبيّات] الْمتحكِّمةِ بالْمال والإعلام في صنع الْقرار، يفاخِرون به هنا وهناك كدليلِ إثباتٍ على الْوعي السّياسيّ الْجريء وعلى الْمعرفةِ التّاريخيّة السّحيقة، يُقرُّون عبْره الْقطيعةَ مع جحافل الْمتخلِّفين الإرهابيِّين الرّاسخِي الْقَدم في ظلُمات الْقرون الْوسطى. بِهذا "الْبيان" يقولون للآخرِ الْغربيّ الْمحتقرِ شأنَهم الْمُستهينِ بإنسانيّتهم الّذي لا يكادُ ينتبهُ إلى وجودهم إلاّ ليستعيذَ بالله منهم: "نحن مثلُكم تماما. فاقبلُوا بنا بينَكم". إنْ قبِلهم فكَمواطنين مِن درجةٍ ثانية. يرتكبون كلَّ هذا باعتِداد وشراسة تطرَب لهما روحُ "تيودور هرتزل" [1860-1904] مؤسِّسِ الْحركة الصّهيونيّة الْجديدة.
   في هذا السّياق نستشهدُ بالْعبارةِ التّونسيّة السّاخرة الّتي ردَّدها الْمهاجرون الْمتبجِّحون بإقامتهم في الدّول الْغربيّة [chez nous] حتّى صارتْ تُسمِّيهم وتُكنِّيهم. إنّها، على سذاجتها، خطابٌ رمزيّ مزدوجُ الدّلالة يُعلنُه الْمنبتُّون الْعائدون إلى وطنٍ - مَصيفٍ: "نحن لسْنا منكم. نحن مِن هناك، مِن بلدان التّفوُّق والْهيْمنة والْمدَنيّة الْحديثة". فيجيبُ السّاخرون: "نحن نتبَّرأ منكم كما تبرّأتُم منّا ونُقصِيكم بقدر ما أقصيتُم أنفسَكم". 
   كثيرا ما يكون تضخُّمُ الأنا الّذي يُبديه الْمنبتُّون ردَّ فعل مرَضيّ ضدَّ ما كابدوا هناك مِن قهْر يصِل حدَّ الْعنصريّة الْمتوحِّشة. ويكون أحيانا "ضربةً وقائيّة" تُلزم "أبناءَ الْبلد" حدودَهم كلّما شكَّكوا في الْقفزةِ النّوعيّة الّتي حقّقَها الْهابطون مِن الْبرج الْعاجيّ. هذا لأنّ الضِّيقَ بالانتماء السّابق والْعجزَ عن الْفوز بالانتماء الْوافد يُفقِدان الْمهاجرَ الْمُنبتّ توازنَه حتّى إنّه يصيرُ عدوّا لدُودا للعربيّ الْمُنتمي الْملتزِم بقضاياه الْوطنيّة والْقوميّة والإنسانيّة [لا إنسانيّةَ إلاّ ما قرّره السّيدُ الْغربيّ]. يَستميتُ في جرِّه إلى فردوس الانبتات: "يجبُ أن أُقنعَك بما "اقتنعتُ" به حتّى يرتاحَ ضميري الْمعذَّبُ ببقيّةِ انتماء". هذا الالتزامُ يرُجُّ كينونتَه الْممزَّقة ويخِزُ توازنَه الْمختلّ.   
   ردُّ الْفعل الانفعاليّ تجاهَ الْمنبتِّين هو الاحتقارُ والتّخوين. لكنْ بالتّفكير العقلانيّ نستطيع تبيُّنَ محنةِ الانتماء الّتي يُعانونها: إنّهم لَمّا يستفيقُوا مِن "صدمة الْحداثة" لأنّها تصفعُهم على الْـخدَّيْن وتصفعُنا على خدٍّ وحيد. يُظهِر الاحتفاءُ الشّعبيّ بهم كم إنّ الْمغلوبَ مهووسٌ بتقليد غالِبه هوسًا يفوقُ حقدَه على ماضيه الاستعماريّ الْبشِع. يُسقِط مجتمعُنا "الْمحافِظ" عن الْمهاجرين آثامَهم السّابقة ويمنحُهم صكَّ الْغفران ما دام الْغربُ استضافهم على أرضه ولو في سراديب لا يبلُغها الْهواءُ ولا الشّمس. 
   هؤلاء الآثِمون في حقِّ أمّتِهم يقْوى انبتاتُهم بقدر ما تتعمّقُ رِدّتُنا الْحضاريّة. وأولئك الْمعتصِمون بالْبرقع دون سواه تنمو قطيعتُهم مع الآخر على قدر اتّساعِ الهوّة بيننا وبين ذواتِنا.
فوزيّة الشّطّي
تونس: 2010.06.03




شعر: (هَزائمُ الأحْفَاد)، بحر: (المتقارب)، تونس: 1999.02.16


 [نُشرتْ في مجلّة "الوطن العربيّ": 1999.07.23]
 [نُشرتْ في موقع "ديوانُ العربِ": 2014.01.04]
http://www.diwanalarab.com/spip.php?article38715
هَزَائِمُ الأحْفَاد
الإهداء: 
إلى روحِ 'أبي الطّيّب المتنبّي'، روحًا شاعِرة تهزمُ الموتَ وتلهُو بالحياةِ وتفيضُ وَجَعا مِن هزائمِنا، هزائمِ الأحفادِ الضّالّين في حضيضِ التّاريخ.
وَتَـثْأَرُ مِنْ شَارِدَاتِ الْقَـوَافِي
تُـلِحُّ عَلَى الْـجَفْنِ مِنْكَ نَـؤُومُ
تُـخَاتِـلُهَا، تَـتَـأَبّـى عَلَيْـهَا
تَـمَنّـَعُ طَلْـقَ الْعِـنَانِ سَـؤُومُ
رِيَـاشٌ كَـأَشْـرِعَةٍ لاَ تَـمِيدُ
تُكَـسِّرُ عَنْـتَ الْبُحُورِ خَصُومُ
صَحَائِـفُ نَاءَتْ بِثِـقْلِ الْمَعَانِي
تَفَيـضُ عَلَى ضِفَّـتَيْـهَا هَـمُومُ
مَـقَالٌ يُشَـيِّـدُ كَـوْنًا سَنِـيًّا
يُزِيحُ الدُّنَى الْمَاثِـلاَتِ دَيُـومُ
بِأَبْيَاتِ سِحْرٍ جُيُـوشٍ كَوَاسِـرْ
تُعَانِــقُ تِـيهَ الْبِـلاَدِ رَؤُومُ
زَمَانُكَ شَـبٌّ بِـمِـلْءِ حُضُورِكْ
زَمَانِي عَـقِيمُ اللِّـسَانِ كَـتُومُ
أُنَاجِي النُّـبُوّةَ كَـرَّتْ سِرَاعًـا
كَـجُلْمُودِ صَخْرٍ مُـدَوٍّ هَـزُومُ
لِأَشْكُو إِلَيْـهَا عَمِـيقَ انْكِسَارٍ
يَشُدُّ  وِثَاقِي، وَلَـهْـفِي، ظَـلُومُ
وَأَشْكُو إِلَيْـكَ تَوَارِيخَ غَـمٍّ
تَـمُدُّ النُّـحُورَ تِبَاعًـا هَـيُومُ
مُـجِيرِي مِنَ الْأَرْضِ أَلْـقَتْ بِوِزْرٍ
يَفُتُّ  عِظَامِي الْغِضَـاضَ كَدُومُ
لِـتَثْأَرْ لَنَـا مِنْ لَقِيطِ الدُّهُـورِ
يُعَرِّي سَـمَائِي الـدِّثَارَ مَـشُومُ
يُشَـرِّدُ سُحْبِي الْـحَبَالَى خَضِيرًا
وَيُفْنِي حُقُولِي الْخِـصَابَ لَهُومُ
لِتُلْهِـمَ رُوحًا إِلَى الْفَيْضِ تَهْفُو
تَـرُومُ  النُّـبُـوّةَ فِيكَ سَجُومُ
وَرَوِّضْ لِـيَ الْقـَوْلَ شَـبّا لِأَغْزُو
زَمَانِي عَـقِيمَ اللِّـسَانِ نَـؤُومُ.
فوزيّـة الشّـطّي
 1999.02.16 تونـس:

مقال: مِن وحْيِ المَحرقة


مِنْ وَحْيِ المِحْرَقَة
[نُشر في 'الشّعب': 2009.01.24، عدد: 1006]
سأُسْكِتُ مؤقَّتا القلبَ المعذَّب بالعجزِ عن الصّبرِ وعن الفعْل. ولْيتكلّمِ العقلُ إنِ استطاعَ أن يعقِلَ.
ما تعيشُه غزّةُ مِحْرقةٌ على النّمطِ النّازيِّ لكنْ أكثرَ دمويّةً وجُنونًا. غزّةُ غرفةُ غازٍ خانقةٌ، وإنْ بدَت متراميةَ الأطرافِ، لا ماءَ فيها لا خبزَ لا دواء... لا شيءَ عدا مصّاصِي الدِّماء!
الموقفُ العربيُّ الرسميُّ غريب عن نفسه، غريبٌ عن الجماهير غربةَ صالحٍ في ثمود، بعد قلْبِ الآية طبعا، غريبٌ عن الظّرْفِ التّاريخيّ المصيريّ غربةَ مُدمِني الحشيش ومشتقّاتِه. يخشَى وصْمةَ 'حماس' خشيةً أسْكَرتْ ضميرَه الإنسانيَّ وحسَّه السّياسيَّ حتّى الثُّمالةِ. فشرطيُّ العالَمِ يقفُ بالمرصاد لكلِّ عقوقٍ مُحتمَل، لكلِّ مَن يلوي عصا الطّاعة. بالتّوازِي مع ذلك تتفيّأُ 'النُّخبةُ' العربيّةُ في الأغلبِ الأعمِّ في ظِلالِ حكوماتِها وضَلالِها أيضا. فلا الأُولى تُسنِد ظهرَ الثانيةِ وتقوِّمُ اعوجاجَها، ولا الثانيةُ تفكُّ الخِناقَ عن الأولى لتتنفّسَا معا برِئةٍ ثالثة. جرّاءَ هذا التّحالفِ القسْريِّ نسمعُ صوتًا واحدًا كلّتْهُ الآذانُ وعافتْهُ الحناجرُ. والصّوتُ الواحدُ -لا أعْنِي الموحَّد- لا يَصنع 'كورالا' أيًّا تكنْ مساحتُه الصّوتيّةُ.
يتأتّى بعضُ الحرَجِ العربيّ الرسميّ، وهو يتعاملُ مع مِحرقةِ غزّة من العجْزِ عن 'الفصْل المنهجيّ' بين شعبٍ أعزلَ يقاوِمُ الاحتلالَ والحصارَ والإبادةَ وبين حكومةٍ إسلاميّةِ الإيديولوجيا لكنْ ديموقراطيّةِ الـمَسار [وهو أمرٌ نادرُ الحدوثِ في الإمبراطوريّات العربيّة الأبديّة!]، لأنّها وفتْ لشروطِ صناديقِ الاقتراعِ الّتي ضبطَها 'العالمُ الحرُّ المتمدّنُ'. عدمُ الفصلِ هذا يتركُ الجرائمَ ضدَّ الإنسانيةِ تمرُّ آمنةً على نفسِها شرَّ سقوطِ ورقة التُّوت. فالإعلامُ الغربيُّ الرسميُّ أغمضَ، بأعذارٍ أقبحَ من كلِّ ذنْبٍ، العينَ العمْشاءَ المُطلّةَ على تذبيحِ الفلسطينيّين، وتُحدِّقُ مليًّا عينُه الـمُنْصَبّةُ على أيِّ خدْشٍ يُصيب الورَمَ الصّهيونيّ. بل إنّ إحراقَ علَمِ 'الكيان' في إيطاليا مثلا أثناء المظاهراتِ المندِّدَةِ بالعدوانِ قد أثارَ مِن الاحتجاجِ أضعافَ ما أثارَه حرقُ الطّفولةِ الفلسطينيّة الـمُحتميةِ بالمدارس والمساجد والملاجئ الوهْميّة ومعسكرات الاعتقال.
حتّى إنّ هذا الإعلامَ اتّهمَ 'حماس' بأنّها تستخدمُ المدنيّين، والأطفالَ منهم بالأساس، دروعًا بشريّةً لِـــ 'تُتاجِر' بموتِهم وبأنّها تحتكرُ الملاجئَ الآمنةَ لنفسها. وإنْ كنّا لا نستطيعُ الجزمَ بصدقِ هذا الاتّهام أو كذبِه، فإنّنا نجزمُ بأنّ هذا الادّعاءَ مَخرجٌ مّا ربّما يخلّصُ 'دُعاةَ حقوقِ الإنسان' مِن مأزقِ انفضاحِ 'سياسة الكيْل بمكيالين' الّتي شرعَ الرّأيُ العامُّ العالميّ يتحسّسُها نسبيّا. ولوْلا استهدافُ مدارسِ الأمم المتحدة وموظّفِي فِرَق الإغاثة الدّوليّة لتواصلتِ التّعميَةُ على شاكلة «سرد أحداثِ موتٍ معلَنٍ» [عنوان إحدى أجمل روايات غابرييل غارسيا ماركيز]. إذ تُطلُّ المحرقةُ ساطعةً جليّةً «كشُرفة بيتٍ» على منْ يريدُ أنْ يراها وعلى منْ تريدُ أنْ تُرِيَه نوباتِ جُنونِها الاستعراضيّةَ.
ستظلُّ قراراتُ مجلسِ الأمن غيرَ مُلزِمة -حتّى وهي مُلزِمة- إلى أن يستويَ الجسدُ العربيُّ المهشَّم، إلى أن تتكوّنَ نخبةٌ عربيّةٌ تكونُ قوّةً ضاغِطةً محليّا وبالتّالي عالميّا، إلى أن ينشأَ وعيٌ سياسيّ يُحسنُ الفصلَ بين تحريرِ الأوطان وبين بيْعها في المزادِ سرّا أو علنا كما يحسنُ المُرافعةَ عن نفسِه في مَحاكمِ التّاريخ، إلى أن يتصالحَ الحكّامُ مع شعوبِهم في القضايا المصيريّةِ على الأقلّ، إلى أنْ نرتقيَ مِن درجةِ 'الرّعيّة' إلى مرتبة 'الـمُوَاطَنَة' الّتي فيها مِنَ جميلِ الحقوق بقدر ما فيها من الواجباتِ الثّقيلة. فمبدأُ «كما تَكونون يُوَلَّى عليْكم» ما انفكّ ساريَ المفعُول... إلى أن يتحقّقَ ذلك سنظلّ، كما كنّا وما نزالُ، أفشلَ محامين لأعدلِ قضيّة: فشِلنا قولاً وفعلاً وصَمتا. «وكلُّ سكوتٍ كلامٌ قبيح»: هكذا تكلّم 'سميح القاسم'. ومثلَه فعَل كلُّ نِسْيٍ مَنْسِيٍّ.
لِمَ يفشلُ العربُ فشلا مسترسِلا في السّياسة الخارجيّة؟ ألأنّهم يكسِرون عظامَ السّياسة الدّاخليّة ويلوُون ذراعَها القصيرةَ أصْلا؟ أم لأنّ 'السُّلطةَ' عندهم مرضٌ عُضال حارَ في شفائِه طبُّ الشّرقِ والغربِ؟ أم لأنّ حسَّهم التّجاريَّ أقوى ممّا يتحمّلُه الحقلُ السّياسيُّ؟ فكُلُّ متاعٍ لديهم مُعَدٌّ للبيع: الأرضُ كالعِرضِ والمبدأُ كالقيمةِ و'القضيّةُ'  كآبار الذّهبِ الأسودِ...؟ وبلا هوادَةٍ تعلُو في الآفاقِ الخُطَبُ العصْماءُ تبيعُ الرّيحَ للمراكبِ الهائمةِ على وجهها وتخبِطُ خبْطَ عَشْواء في متاهات 'البؤس العربيّ' وقد رسَخَ  اليقينُ بأنّها تُصيبُ مِن العدوّ مَقتلاً.
بنا حلّتِ الـمِحرقةُ كي ترتِقَ الذّاكرةَ الـمُهترِئةَ الهاربةَ من فيْضِ هزائمِها والمرتعِبةَ من هَامَةِ حقِّها القتيلِ يصرخُ  فينا: «اُسقُونِي». غزّةُ المحترِقةُ الـمُحْرِقةُ تهزأُ بنا، تصفعُ جُبنَنا، تركُلنا بالجُثَث، تُدثِّرُنا من هوْلِ الفضيحةِ المعلَنةِ. ثمّ تُنشِد مرثيّتَها - مرثيّتَنا: «كمْ كنتَ وحدكَ يا ابنَ أمِّي يا ابنَ أكثرَ من أبٍ، كمْ كنتَ وحدَك!». هكذا تكلّمَ 'محمود درويش'. ومثلَه صنعَ شهودُ الأرضِ والسّماء.
وكي لا يُـخَرِّبَ القنوطُ قلوبَنا الدّاميةَ سنظلّ نردِّدُ بالصّوتِ المرتعِشِ إيّاه: لَكَمْ أحنَى القدرُ قامتَه إكبارًا لكلِّ شعْبٍ أراد الحياةَ فأرادتْه بمِلْء فؤادِها! لَكَم استجابَ، فأجْلَى اللّيلَ وكسَّر القيُود!
فوزيّة الشّـطّي
تونـس: 2009.01.15

   
                       

                                                                   


مفهومُ الاشتراكيّة في فكر البعث، ندوة الماجستير 2007-2008


جامعـة  منّوبـة
كليّة الآداب و الفنـون و الإنسانيّــات

ندوة الحضارة الحديثـة:
"مفهوم الاشتراكيّـة في فكـر البعــــث"
[نُشر في: مجلّة "الكلمة" الإلكترونيّة: عدد 46، فيفري 2011]
       إشراف الأستاذ:  د. الطّاهر المنّاعي                             
     إعداد الطّالبة:   فوزيّة الشّطـّي


السّنة الدّراسيّة
2007 - 2008  


المقدّمـــة
     تهدف ندوتُنا "مفهومُ الاشتراكيّة في فكرِ البعث" إلى تفحُّص مصدرٍ رئيسٍ من مصادرِ فكر البعْث، وهو كتابُ "في سبيل البعث". وغايةُ هذا التفحّص أن نستنبط مفهوما "بعثيّا" - إنْ جاز التّعبيرُ- للاشتراكيّة. هذا لأنّ البعثَ قد نشأ فكرًا سياسيّا ثُمّ صار حركةً سياسيّة نشيطة فحزبًا سياسيّا معارِضا فمشارِكا في الحُكمِ فمنفرِدا بالسّلطة في دولتيْن عربيّتين هما: سوريا والعراق.
يُمثّلُ تجاورُ القوميّةِ والاشتراكيّةِ في اسمِ حركة البعث وفي دستورِها وفي مصادرِها النّظريّة (وأهمُّها كتابُ "في سبيل البعث") خاصيّةً مميِّزةً ومُثيرةً لإشْكالاتٍ كثيرة ولاعتراضاتٍ عديدة مِن قِبَل الأنصارِ والخُصومِ على حدٍّ سواءٍ. فهذا التّجاورُ الاصطِلاحيُّ أقربُ إلى تجاُورِ التّضادِّ منه إلى تجاورِ التّكامُل.
تسعَى ندوتُنا إذنْ إلى الإِجابة عن هذه الأسئلةِ المُحرِّكةِ للبحث:
1-              هل أنتجَ فكرُ البعثِ مفهومًا خاصًّا به للاشتراكيّة؟
2-              ما مظاهرُ خصوصيّةِ هذا المفهومِ إنْ وُجِد؟
3-              ما مدَى وفاءِ هذا المفهومِ "الافتراضيِّ" لمقاييسِ الصّياغةِ العلميّة للمفاهيم؟
4-              ما مدى انسجامِ مفهوم "الاشتراكيّة البعثيّة" مع المفاهيمِ المجاوِرة: كمفهومِ القوميّة ومفهومِ الانبِعاث؟
5-              ما صلةُ اشتراكيّةِ البعثِ بالاشتراكيّة العلميّة (الماركسيّة)، خاصّةً وأنّ الأُولَى قد استعارتْ بعضَ مُكوِّناتِ الجِهاز المفهوميّ للثّانية وقد جادلتْها جِدالا صريحًا أحيانا وضِمنيّا أُخرَى؟
لا نزعُم أنّ ندوَتَنا هذه ستجيبُ عن كلِّ الأسئلةِ المطروحةِ. فحسْبنا أن نطرحَ إِشكالَ "الاشتراكيّة البعثيّة" طرحا مُحايِدا إيديولوجيّا، مُراعِيا خصوصيّاتِ الظّرفِ التّاريخيّ الذي أنشأ البعثَ، مُتفهِّما قدرَ الإمكان المنطقَ الداخليَّ الّذي يَجمعُ "شتاتَ" فكرِ البعث.

                  الفصل الأوّل:  فِـــــي التّعرِيفـــات
I-  الاشتراكيّة:
1)     -  لُـغةً :
"الاشتراكيّةُ": صرْفيّا مصدرٌ صناعيّ يتّصل بالمصدر "اشْتِرَاكٌ" المتّصلِ بدورِه بالفعلِ الثلاثيّ المزيدِ "اشْتََرَكَ". جاء في "لسان العرب": « يُقالُ اشترَكْنا بمعنَى تشارَكْنا. وقد اشتركَ الرّجلان وتشارَكا وشارَكَ أحدُهما الآخَرَ. وفي حديثِ مُعاذ أنّه أجازَ بين أهل اليَمَن الشِّركَ أي الاشْتراكَ في الأرضِ، وهو أن يدفعَها صاحبُها إلى آخرَ بالنِّصفِ أو الثُلُثِ أو نحوِ ذلك. وفريضةٌ مُشتَركَةٌ: يَستَوِي فيها المُقتسِمون. وطريقٌ مُشترَكٌ: يَستوِي فيه النّاسُ. واسمٌ مُشترَك: تشتركُ فيه معانٍ كثيرةٌ. ورُِويَ عن النّبيِّ (ص) أنّه قال: "النّاسُ شُرَكاءُ في ثلاثٍ الكلإِ والماءِ والنّارِ. وأشرَكَ باللهِ: جعلَ له شَرِيكا في مُلكه».
2)     -  اِصطلاحا:
مصطلحُ "الاشتراكيّة" هو المقاِبلُ العربيُّ للمصطلحِ الغربيِّ (Socialisme). وقد جاء في "دائرة المعارف الكونيّة": « تتَّخذُ كلمةُ الاشتراكيّة في التّاريخ معانيَ متعدِّدةً. هي مُتعدِّدةٌ حسْبَ التّيّاراتِ حتّى ضِمنَ اشتراكيّةٍ أصليّةٍ مّا. وهي متعدِّدةٌ حسْب الأزمنةِ ]أيضا[ »1. لكنّ الاشتراكيّاتِ على تنوُّعِها تَلتقِي في كونِها: «مذهبًا يرفضُ استغلالَ الإنسانِ للإنسانِ والملكيَّةَ الفرديّةَ للمؤسّساتِ الصّناعيّةِ والزّراعيّةِ والتّجاريّةِ. ويبنِي سعادةَ الإنسانِ على جعْلِ الثّروات كلِّها مَشاعيّةً». 2
على هذا الأساسِ يُمكنُ أنْ نُحدِّد للاشتراكيّةِ أنواعا، منها:

أ -  الاشتراكيّةُ الخياليّة أو المثاليّة أو الطّوباويّة: (Socialisme Utopique)
أهمُّ رموِزها هو الفيلسوفُ اليونانيّ "أفلاطون": Platôn ]427-347 ق.م[ الّذي رَبطَ العملَ السّياسيَّ بالتّأمُّلِ الفلسفيِ في كتابه: "الجمهوريّة"، واعتبرَ "فكرةَ الخيرِ" هي المثالَ الأسمَى لفلسفتِه. في هذا الكتاب وَضعَ أفلاطون برنامجَ تربيةٍ يُعِدُّه الحُكّامُ الفلاسفةُ الّذين يحقِّقون الخيرَ في المجتمعِ لأنّهم تأمّلُوا مِثاَل الخيرِ.
أمّا الفيلسوفُ العربيُّ أبو نصرٍ الفرابِي ]260-339 هـ/ق9-10م[ فقد كان كتابه "آراءُ أهلِ المدينةِ الفاضِلة" مُعبِّرا عن آرائِه الفلسفيّة المتأثِّرةِ، فيما يبدُو بأفلاطون وبفكرةِ الخَيرِ عنده، وعبارةُ "المدينة الفاضلة" تصوِّرُ النّموذجَ الأرقَى للتّعايش الإنسانيّ.
واشتهرَ "توماس مُور":] Thomas More 4781-1535م [القدّيسُ والفيلسوفُ والسيّاسيُّ الأنكليزيّ بكتابِه "يوتوبيا: l'Utopie" الّذي وَصف فيه مدينةً خياليّة تعمُّ فيها اشتراكيّةٌ مثاليّة.
ب-  الاشتراكيّة ما قبل الماركسيّة: ( Socialisme Prémarxiste)
ظهر هذا النّوعُ من الاشتراكيّات في القرن التّاسعَ عشرَ (ق.19) إذ: «اقترنتِ الرأسماليّةُ الصّاعدةُ بِحُريّةٍ فِكريّة، وساعدَ ذلك على التّنديدِ الصّريحِ بمساوئها» 3. ومِن أهمِّ المفكّرين الّذين وَصفُوا أنفسَهم بالاشتراكيّة أو وصفَهم بها غيرُهم، نجد:
- كلود دوسان سيمون:Claude de Saint-Simone  ] 1760-1825م[: وهو فيلسوفٌ اجتماعيٌّ واقتصاديٌّ فرنسيّ، آمن بالتّضادِّ بين"العامِلِين" أي الطّبقةِ العامِلة (العمّال المؤَجَّرُون، الصِّناعيّون، الباعَة، الصّيارفة...) وبين "العاطِلين" أي الطّبقةِ المنعَّمة العاطِلة عن العملِ المُنتِج (الّنبلاء، الأكليرُوس، الجُند: أيْ كلّ مَن يعيشون مِن مداخيلهم دون أن يُسهِموا في الإنتاجِ والتّوزيعِ). واعتنَى "سان سيمون" بِمصيرِ ما سمّاها "الطّبقةَ الأكثرَ عدَدًا والأشدَّ فقرًا"4. وهو مصطلحٌ شائِع لدَى مُعظمِ الاشتراكيّين في تسميةِ ضَحايا الاستغلالِ الرأسماليِّ مِن العُمّال.
- شارل فورييه: Fourier Charles ]1772-1837م[: هو فيلسوفٌ اقتصاديٌّ فرنسيّ دعَا إلى إصلاحٍ اقتصاديّ واجتماعيّ وإنسانيّ، بإنشاءِ جمعيّاتٍ صغيرة مِن العمّال الّذين يعيشون في مجتمعٍ إنتاجيٍّ تعاوُنيّ ويحقِّقون انسجامًا مكتمِلا. وكان "فورييه" «سبَّاقا إلى المناداةِ بأنّ درجةَ تحرُّرِ المرأةِ في مُجتمعٍ معيَّن هي المقياسُ الطّبيعيُّ للتّحرُّر العامّ.» 5 حسْب رأيِ "إنجلز".
- روبرت أوين:  Robert Owen  ]1771-1858م[: هو مُصلِحٌ ومُفكِّرٌ اشتراكيّ بريطانيّ. كان صِناعيّا، وأنشأ أوّلَ التّعاوُنيّات الاستهلاكيّة. يقولُ عنه "إنجلز": «لقد تَحوَّلَ عددٌ مِن السُّكان كانوا يتألّفونَ في الأصلِ مِن أشدِّ العناصرِ تنوُّعا، ومعظمُهم مُنحلُّون حتّى درجةٍ كبيرةٍ. وقد زادُوا تدرِيجيّا حتّى بلغَ عددُهم 2500 شخصا (كذا)، إلى مستعمَرةٍ نموذجيّة كان السُّكْرُ والشّرطةُ والقُضاةُ والدّعاوَى والإغاثةُ العامّةُ والحاجةُ إلى الإحسان أمورًا مجهولةً فيها. ولقد حقّق كلَّ ذلك بمجرَّد وضْعِ النّاس في شروطٍ جديرةٍ بالكائنات الإنسانيّة، وبخاصة (كذا) بتربيةِ الجيل الصّاعد بكلّ عناية» 6  .
 لكنْ رغمَ اختلافِ هذا النّوعِ الثّاني من الاشتراكيّة عن النّوع الأوّل، فقد اعتُبرتْ هذه التّجاربُ الاشتراكيّة طُوباويّةً هي أيضا حسْب تعبير العالِم الاقتصاديّ "جيروم بلانكي: Jérôme Adolphe Blanqui" في كتاب "تاريخ الاقتصاد السّياسيّ" (Histoire de l’économie politique)، المنشورِ عام 1839. إذ: «كان الحلمُ الّذي راودَ المجتمعاتِ الاشتراكيّةَ السّابقة للماركسيّة إقامةَ مجتمعِ الرّفاهيّة عن طريقِ تحسين الإنتاج وعدالةِ توزيع الثّروة على التّبشير والإعداد التّربويّ والأخلاقيّ الصّالح، دونما إشارة إلى البروليتاريا أو إلى الصّراع الطّبقيّ».7
وقد سـمَّى الفيلسوفُ "إنجلز" هؤلاء الاشتراكيّين بـِ"الطّوباويّين الثّلاثةِ الكِبار"8 وسمّاهم "ماركس" بـِ"الاشتراكيّين الأوَّلِين"، و شبّهَهم بفلاسفةِ الأنوار الفرنسّيين في القرن الثّامنَ عشَرَ (ق 18). فيقولُ عنهم: «لم يكونُوا يطمعُون، مِثلهم مثل الفلاسفة الفرنسيّين، إلى تحريِر طبقةٍ مخصُوصة بل الإنسانيّةِ جمعاء. وكانوا مثلَهم يُريدُون أن يُحقِّقوا مملكةَ العقل والعدالة الأبديّة» 9. بيد أنّ "ماركس" يُفسِّر أحلامَ هؤلاء عن "المجتمعِ المثاليِّ" بعدَم تطوُّر "الشّروطِ الاجتماعيّة" تطوُّرا كافِيا10.

ج-  الاشتراكية العلميّة أو الماركسيّة: (Socialisme scientifique ou marxiste)
رائِدَا هذه الاشتراكيّةِ هما الفيلسُوفان الألمانيّان "كارل ماركس: Karl Marx" ]1818-1883[ و"فريديريك إنجلز: Friedrich Engels" ]1820-1895[، يَنضافُ إليهما "فلاديمير لينين: Lénine Vladimir" ]1870-1924[ باعتبارِه أحدَ كبارِ ُمنظّرِي الماركسيّة ومُؤسّسَ الحزبِ الشّيوعيّ في روسيا السّوفياتيّة وزعيمَ الثّورةِ الرّوسيّة.
الاشتراكيّةُ حسْب "ماركس": «ليستْ دعوةً تُقبل أو تُرفض. وإنّما هي مرحلةٌ محتومةٌ تؤُول إليها الرّأسماليّةُ بناءً على تفاعُلِ قوانِين لا قِبلَ للأفرادِ بمُعارضتِها أو الوقوفِ في سبيلها»11 . وقد نَقد الاقتصادَ الرّأسماليَّ في كتابِه "رأسُ المال"، واعتبرَ أنّ الصّراعَ بين الطّبقةِ العاملة "البروليتاريا" الّتي تبيعُ قوّةَ العمَل وبين الطّبقةِ البورجوازيّة الّتي تملكُ وسائلَ الإنتاج هو صراعٌ حتْميّ. وينتهِي هذا الصّراعُ الطبقِيُّ حسْب النّظريّةِ الماركسيّة إلى القضاء على الفوارقِ الطّبقيّة وإلى تحقيقِ "ديكتاتوريّة البروليتاريا". وإذا كان الصّراعُ الطبقيُّ يمرُّ بمراحلَ محدَّدةٍ مِن النّضج تُغذّيها تناقضاتُ الشّكلِ الرّأسماليّ لعمليّةِ الإنتاج، فإنّ الاشتراكيّةَ: «على اعتبارِها نظريّةَ الماديّةِ الجدَليّةِ» 12 حسْب تعبيرِ "لينين"، تتحقّقُ وِفقَ مراحلَ متطوِّرةٍ نامية. لكنّ تحقّقَها حتمِيٌّ لأنّ الرّأسماليّة بعبارة "لينين" أيضا: «تَخلقُ بنفسِها حفّارَ قبرِها».13  وعنِ الفرْق بين الاشتراكيّةِ والشّيوعيّة يقول "لينين" عن الأُولَى إنّها: «ماسمّاه ماركس الدّورَ "الأوّلَ" أو الدّورَ الأدنَى مِن المجتمعِ الشّيوعيّ".14 أيْ هي الدّرجةُ الدُّنيا مِن: «درجاتِ نُضْج الشيّوعيّة الاقتصاديِّ» 15.
تتمثّل الاشتراكيّةُ العلميّة في:
-  استيلاءِ البروليتاريا على السّلطةِ السّياسيّة بعد انتصارِها على البورجوازّية.
-  إلغاءِ الملكيّةِ الخاصّة لوسائلِ الإنتاج وللأراضي وإقرارِ الملكيّة الجماعيّة لها (نعنِي انتزاعَ الملكيّات العقاريّة الكبيرة والمعامل والمصانع والرّساميل الماليّة).
-  جعلِ العمَل مشتَركا في خِدمة جَمهرَة الشّعْب.
-  الحفاظِ على جهازِ الدّولة لأنّ الرّأسماليّةَ الاحتكاريّة لدى الدّولةِ شكلٌ انتقاليّ ضَروريّ مِن الإنتاجِ الرأسماليّ الخاصّ إلى الإنتاجِ الاشتراكيّ.
-  وضعِ حدٍّ لكلّ اضطهادٍ يُصِيب أيَّ قوميّةٍ أو أيَّ عقيدة دينيّة.
-  تحريرِ المرأةِ تطبيقا لمبدأيْ الحريّةِ والمساواة.
أمّا الشّيوعيّةُ فهي المرحلةُ الأعلَى مِن هذا التّطوّرِ "الحتميّ". فمِنها تختفِي الدّولةُ البورجوازيّة نفسُها أي يزول «الحقُّ البورجوازيُّ بكليّتِه»16 بعبارةِ "لينين". وشِعارُ هذه المرحلةِ: «مِن كُلٍّ حسْب قُدراتِه ولِكلٍّ حسْب حاجاتِه»17.
  بناءً على ما سبَق يكونُ طرحُ المسألةِ القوميّة في النّظريّةِ الاشتراكيّة (الماركسيّة منها بالخُصوص) أمرًا نَشازا. ففي هذا السّياقِ يقول "لينين" حول العلاقةِ بين القوميّة والماركسيّة: «إنّ الماركسيّةَ مُتنافِرةٌ مع النّزعةِ القوميّةِ، حتّى أحقّها وأنْقاها وأصْفاها وأكثرها تحضُّرا» 18. فالأمميّةُ (أي انصهارُ جميع الأُممِ في وَحدةٍ عُليا متطوِّرة) هي البديلُ الماركسيُّ لأيِّ نزعةٍ قوميّة. مع هذا التّنافرِ يُقرّ الماركسيّون بـِ «الشّرعيّةِ التّاريخيّةِ للحركاتِ القوميّة»19. ويصلُ التّنافرُ حدَّ الصّراعِ بين ما يُسمِّيه لينين "القوميّةَ البورجوازيّة" و "الأمميّةَ البروليتاريّة".
ظهرتْ تيّاراتٌ اشتراكيّةٌ معارِضةٌ للماركسيّة كَكلّ أو لبعضِ مبادئها. منها:
  د-  الاشتراكيّة التّطـوّريّة أو الدّيموقراطيّة: (Socialisme évolutionnaire)
نشأتْ في إنقلترا في أحضانِ "الجمعيّة الفابيّة: Fabian Society" الّتي تأسّستْ عامَ 1889، على يد "سدني واب:Sidney Webb " [1859-1947] و "بياتريس واب :Béatrice Webb" [1858-1943] و "جورج بارنارد شو: George Bernard Shaw" ]1856-1950[. وهي اشتراكيّةٌ: « ترفضُ فكرةَ تنازُعِ الطّبقات أو الاستيلاءِ على الحكم بالقوّة وترى وُجوبَ اتّباعِ الأساليب الدّيمقراطيّة وتُنادِي بتأميم الصّناعات الرّئيسيّة وتخفيفِ الفوارق بين الطّبقات» 20.
هـ-  الاشتراكيّة النّقابيّة: (Socialisme syndicaliste)
ترفضُ هذه الاشتراكيّةُ حلولَ الدّولةِ محلَّ الأفراد في الملكيّة، وترَى: «أنْ تؤُولَ ملكيّةُ المصانع وكافّة المشروعاتِ إلى العمّال مُمثَّلين في نقاباتهم»21. ومِن أعْلامِ هذه الاشتراكيّة في فرنسا "جورج سوريل: Sorel Georges" ]1847-1922 [، وهو فيلسوفٌ اجتماعيٌّ فرنسيّ تأثّرتْ به الحركاتُ النّقابيّةُ الثّوريّة.
و-  الاشتراكيّة المسيحيّة: Socialisme chrétien) )
هي اشتراكيّة تستمدُّ إلهامَها مِن آباء الكنيسة، وتُعلّق أهميّةً على إنسانيّةِ العمل وعدالةِ التّوزيع»122. ومِن أعلامِها  الأنقليزيّان "فريديريك موريس: Frederick Maurice" [1805-1872] و "تشارلز كانجزلي: Charles Kingsley" [1819-1875].
II- البعـث:
1)          لُـغةً:
"البعْثُ": صرفيّا مصدرٌ من الفِعل الثّلاثيّ المجرَّد "بَعثَ". جاء في "اللّسان" البَعْثُ هو الرّسولُ، والبعَثُ: بَعْثُ الجندِ إلى الغزْوِ. والبعْثُ يكونُ للقومِ يُبعثون إلى وجهٍ من الوُجوهِ مثلِ السّفرِ والرّكبِ. والبَعْثُ في كلامِ العرب على وجهين: الإرسالُ وإثارةُ بارِكٍ أو قاعِدٍ. والبَعْثُ أيضا: الإحياءُ مِن الله لِلموتَى. وبَعثُ الموتَى: نَشرُهم ليومِ الموتِ يومِ القيامة. وبَعَثَ البعيرَ فانْبعثَ: حلَّ عِقالَه فأرْسلَه أو كان بارِكا فهَاجَه. ويُمكنُ حصْرُ المعانِي اللّغويّةِ في الإرسالِ والإثارةِ والتّحريرِ والنّشرِ والإحياءِ والتّحريك.
2)  - اِصطلاحا:
البعثُ أوّلا: مصطلحٌ دينيّ يدلّ على قيام الخلائق يومَ القيامة عند بعث الموتى من القبور بأن تُجمع أجزاؤهم الأصلية وتُعاد إليها الأرواح. و :"البعثُ له معنًى خاصٌّ في المسيحيّة. وهو قيامُ المسيحِ من القبرِ وقد مضَى أربعين (كذا) يوما عليه كما وردَ في الإنجيل. وهو نقطة للتّجربة المسيحيّة وعنصر أساسيّ في العقيدة. وهذا البعث أو القيامة ضمانٌ لرسالة المسيح وخاتمة الفداء وعربون لبعث جميع البشر، وهو البعث العامّ.23 "
والبعث ثانيا: مصطلح سياسيّ. فهو تسمية لحركة سياسيّة نشأت بدمشق سنةَ 1940، ثمّ صارت الحركةُ حزبا قوميّا يحمل اسم "حزب البعث العربيّ" الّذي تأسّس بصفة غير رسميّة سنة 1947. واندمج هذا الحزبُ مع "الحزب العربيّ الاشتراكيّ" سنة 1954. فنشأ باندماجهما "حزبُ البعث العربيّ الاشتراكيّ" الّذي نال التّرخيصَ الرّسميّ في نفس العام. والحقيقة أنّ التّأريخَ للبعث حركة وحزبا مختلَفٌ فيه حتّى في مصادر البعث الرّئيسيّة24.
كان "حزب البعث العربيّ" بزعامة "ميشيل عفلق" و "صلاح الدّين البيطار". أمّا "الحزب العربيّ الاشتراكيّ" فبزعامة "أكرم الحوراني" (المولود في حماة سنة 1912). وقد فُسّر اندماج الحزبين بأنّ: "حزب البعث هو أساسا تيّارُ فكرٍ ومفكّرين دون جند، بينما الحزب الاشتراكيّ تيّار سياسيّ يرتكز على جماهير الفلاّحين، يمكن أن يتوّلاه حزبُ البعث بالتّأطير والتّنظيم25."
صار حزبُ البعث مشاركا في الحكم منذ فيفري 1955. وهذا ما جعله العاملَ الرّئيسيّ في تحقيق الوحدة بين سورية ومصر النّاصريّة في فيفري 1958. فتأسّست بذلك "الجمهوريّةُ العربيّة المتّحدة". لكن لم تعش الوحدةُ طويلا، فقد قطع البعثـيّون السّوريّون علاقتهم بـ "جمال عبد النّاصر" رئيس "الجمهوريّة العربيّة" في ديسمبر 1959. وهذا ما سهّل الانفصالَ الرّسميّ بين النّظامين في سبتمبر 1961 26.
اِنفرد البعثيّون بالحكم في سوريا. وكان أوّلُ رئيس منهم هو "صلاح الدّين البيطار" بعد نجاح حركة 8 مارس- آذار 1963 الّتي: «قام بها ضبّاط قوميّون تقدّميّون ذوُو اتّجاهات بعثيّة وناصريّة ومستقلّة»27 ضدّ حكم الانفصال. فبعد نجاح هذه الحركة تمركزت السّلطةُ في يد "المجلس الوطنيّ لقيادة الثّورة" الّذي ضمّ غالبيّةً بعثيّة، وهذا ما سهّل «إقصاء النّاصريّين والمستقلّين الّذين شاركوا البعثَ في حركة 8 آذار»28 .فاستأثر البعثيّون بالسّلطة. وصار حزبُ البعث هو الحزب الحاكم في سوريا منذ 1963 إلى اليوم، وفي العراق منذ 1968 إلى سقوط بغداد بعد الغزو الأمريكيّ 2003.
اِنعقد المؤتمرُ الأوّل لحزب البعث سنة 1947 بين 4 و7 نيسان أبريل. ولم يُسمح للحزب بإصدار صحيفة ناطقة باسمه حتّى سنةِ 1946. وجاءت تحمل اسمه عنوانا. وصدر دستورُ الحزب ونظامُه الدّاخليّ في النّصف الثّاني من سنة 1952. ولم يكد اندماجُ هذا الحزب مع "الحزب العربيّ الاشتراكيّ" يغيِّر شيئا من المبادئ التّأسيسيّة الأولى، وأهمّها الثّالوث: «وحدة حرّيّة - اشتراكيّة».
أمّا هدفُ الحركة البعثيّة فهو: «بعثُ الأمّة من سباتها وانتشالُ الفكر القوميّ العربيّ من اغترابه وبعثُ الحضارة العربيّة من ركودها وجمودها.»29 والاشتراكيّة، كما سنرى، هي من وسائل هذا الانبعاث الحضاريّ العربيّ.

III- ميشيل عفلق:
وُلد "عفلق" سنة 1910 بدمشق. وتُوفّي في 24 حزيران - يونيو سنة 1989 بأحد مستشفيات باريس. ثّم نُقل جثمانه إلى بغداد حيث جرت مراسيمُ دفنه وتأبينه. درَس التّاريخ في جامعة "السّربون"بين سنتي 1928  و1933. في هذه الفترة اطّلع على الإيديولوجيّات الرّائجة في أوروبا، منها الماركسيّة والنّازّية والقوميّة... زاول مهنةَ التّدريس في سوريا، لكن استقال منها سنة 1942 ليكرّس مجهوده للعمل السّياسيّ. وكان للأحداث: «الّتي هزّتْ سوريا (احتلال تركيا لواءَ الإسكندرون سنةَ 1939) والعراق (القضاء على ثورة رشيد عالي الكيلاني سنة 194130 دورٌ في تفرّغه للسّياسة.
منذ منتصف الثّلاثينيّات بدأتْ تتبلور لديه ملامحُ نظريّة الانبعاث القوميّ. وكانت مقاومةُ الاحتلال الفرنسيّ والدّعوةُ إلى الوحدة العربيّة ونصرةُ الشّعب العربيّ في العراق والدّعوةُ إلى ربط الاشتراكيّة بحاجات النّهضة الحديثة، الملامحَ الأساسيّة الّتي تعكس الهويّة الجديدة للحركة السّياسيّة الّتي انصرف إلى بنائها.
اُنتخب "عفلق" أمينا عامّا لحزب البعث أثناء مؤتمره الأوّل سنة 1947. تطوّع عام 1948 للدّفاع عن أرض فلسطين. واعتُقل عام 1949 بعد الانقلاب العسكريّ الأوّل في سوريا الّذي نفّذه "حسني الزّعيم". وهذا الأخير قُتل بانقلاب معاكس، ثمّ اعتُقل "عفلق" في عهد "أديب الشّيشكلي" الّذي عزله انقلابٌ عسكريّ عام 1954.
اُعتبر عفلق "فيلسوفَ" حركة البعث في سوريا حتّى تصدُّعِ علاقته بالرّئيس "حافظ الأسد" الّذي حاكمه ومجموعةً هامّة بتهمة "الخيانة"، وحكم عليه بالإعدام. ثمّ خفّف ذلك الحكم. لكنّه: «وجّه أوضحَ إنذار ممكن بأنّه ]...[ لن يتسامح مع أيّ ولاء لعفلق داخل الحزب السّوريّ.»31 بعد ذلك غادر عفلق سوريا، وبقي زعيما للحزب ومنظِّرا له في العراق حتّى سنة وفاته: 1989.

IV- "في سبيل البعث":
هو أهمُّ مؤلَّفات "ميشيل عفلق": «لأنّه يُعتبر بيانَ حركة البعث، أمّا بقيّة المؤلّفات فهي تنويعات على هذا الكتاب»32. سنعتمده في طبعته الثّانيةَ عشرةَ (12) الصّادرة عن "دار الطّليعة للطّباعة والنّشر" ببيروت في نيسان سنة 1974. وكان الكتابُ ظهر في طبعته الأولى في تشرين الأوّل سنة 1959 عن نفس الدّار.
الكتابُ هو مجموعة مقالات عددها ستّةٌ وخمسون (56). قُسمت على ثمانية أبواب هي: (أفكار وتأمّلات، حركة البعث العربيّ، البعث العربيّ والانقلاب، الرّسالة العربيّة الخالدة، في القوميّة العربيّة، حول وحدة النّضال العربيّ، في الاشتراكيّة العربيّة، نظرات سياسيّة). كُتبت كلُّ المقالات بين سنتي 1935 و 1960. وكان ستةَ عشرَ (16) مقالا منها في الأصل أحاديثَ أُلقيت في مناسبات متنوّعة في مدن معيَّنة كـ "دمشق" و"القاهرة" و"طرابلس" و"بيروت" و"حمص" و"الدّار البيضاء" و"الرّباط"، أو في مدن أخرى غير معيَّنة بالاسم. وبعض مقالات الكتاب مطبوعة في كتابين آخرين للكاتب هما: "البعث والاشتراكيّة" و "معركة المصير الواحد".
أمّا المقالات الّتي اعتنتْ بالاشتراكيّة بصفة مباشرة فهي ثمانية : (ثروة الحياة، معالم القوميّة التّقدّميّة، الطّبقة العاملة طليعة الكفاح العربيّ، أسئلة وأجوبة ، موقفنا من النّظريّة الشّيوعيّة، معالم الاشتراكيّة العربيّة، العمّال والاشتراكيّة، دور العمّال في تحقيق الوحدة والاشتراكيّة، نظرتنا للرّأسماليّة وللصّراع الطّبقيّ). لكن لم تخلُ مقالات كثيرة أخرى من التّعرّض إلى مسألة الاشتراكيّة بشكل عابر أو مختزل أو عرضيّ.

         الفصل الثّاني:  في مفهومِ اشتراكيّة البعث
I-               منزلة الاشتراكيّة في دستور البعث:
يُعتبر دستورُ البعث وكتاباتُ عفلق المصدرَ الأساسيّ للفكر البعثيّ. وحركةُ البعث كما يصفها دستورها هي: «حركة قوميّة شعبيّة انقلابيّة تناضل في سبيل الوحدة والحرّيّة والاشتراكيّة»33. وفي هذا الدّستور: «تنصُّ المادّةُ الرّابعة من المبادئ العامّة ]المبادئ الأساسيّة ثلاثة وكلّها قوميّة[ صراحةً على إلحاق الفكرة الاشتراكيّة بالفكرة القوميّة»34. وتقول هذه المادّة الرّابعة: «حزبُ البعث الاشتراكيّ يؤمن بأنّ الاشتراكيّة ضرورة منبعثة ]وفي مصدر آخر: "منبثقة": الأحزاب والحركات، ص(221)[ من صميم القوميّة العربيّة لأنّها النّظامُ الأمثل الّذي يسمح للشّعب بتحقيق إمكانيّاته وتفتح عبقريّته على أكمل وجه، فيضمن للأمّة نُموّا مضطرِدا (كذا) في إنتاجها المعنويّ و الماديّ وتآخيا بين أفرادها»35.
نلاحظ أنّ عبارة "الاشتراكيّة" قد وردت في تعريف حركة البعث باعتبارها هدفا نضاليّا جاء ثالثا في التّرتيب بعد "الوحدة" و "الحرّيّة". وفي المادّة الرّابعة عبَّر هذا المصطلحُ عن مضامين اجتماعيّة واقتصاديّة خاصّة بالشّعب العربيّ. واعتبارُ الاشتراكيّة "ضرورة" يُلمح إلى أنّها أداة لتحقيق نموّ الأمّة. ثمّ إنّ وصفَها بِـ "النّظام الأمثل" قابل للتّأويل: أهو النّظام السّياسيّ الّذي يوجِّه الاقتصادَ والمجتمع أم هو النّظام الاقتصاديّ الاجتماعيّ؟ أم هو النّظام الرّوحيّ والأخلاقيّ - إن جاز التّعبيرُ- الّذي يؤسِّس "تآخي" أفراد الأمّة العربيّة؟
نُعت حزبُ البعث بكونه عربيّا "اشتراكيّا". و مجِيءُ هذه الصّفة في المرتبة الثّانية بعد صفة العروبة قد يُستنتج منه أنّ التّرتيب تفاضليّ: إمّا تفاضل الأهميّة أو تفاضل الأولويّة أو تفاضل الكلّ على الجزء أو تفاضل الغاية على الوسيلة أو غير ذلك.

II- مكوّنات الاشتراكيّة في الفكر العفلقيّ:
يعود تناولُنا لاشتراكيّة البعث من خلال كتابات عفلق إلى أنّ «العفلقيّة كانت المصدرَ الأساسيّ لفكر البعث حتّى عام 1963 ]...] ونقصد بـ (العفلقيّة) "الفكر البعثيّ الأصليّ" قبل أن تخترقه الماركسيّةُ واللّينينيّة ونظريّات التّحرُّر الشّعبيّة في العالم. وقد ساهم في هذا الفكر أشخاصٌ آخرون غير عفلق ]...[ إلاّ أنّ عفلق يبقى هو الأوّل و الأساس.»36
بالعودة إلى كتاب "في سبيل البعث" نجد عفلق يعتبر الاشتراكيّةَ مكوِّنا رئيسا من مكوّنات النّظريّة القوميّة. ويردِّد الكاتبُ راية "الثّالوث البعثيّ" أي: "الحرّيّة" و"الاشتراكيّة" و"الوحدة" دون كبيرِ حرص على التزام ترتيب موحَّد لأجزاء هذا الثّالوث. فالاشتراكيّة تأتي ثانيةَ الثّالوث غالبا، ولكن تأتي ثالثتَه أحيانا. ويراها عفلق ذاتَ شحنة واقعيّة (وهذا نقيض المثاليّة ) وذاتَ صبغة ثوريّة (وهذا معادل للانقلابيّة). إذ يقول: «اتّخذتِ القوميّةُ العربيّة مضمونا واقعيّا ثوريّا عندما حُدِّدت بأنّها: الوحدة والحرّيّة والاشتراكيّة العربيّة.»37 وفي موضع آخر من الكتاب يعمِّم مفهومَ الاشتراكيّة، فيعتبر "الحرّيّة والاشتراكيّة والوحدة" هي: "أهداف العرب الكبرى"38. وهي أهداف قوميّة موحَّدة ومتداخلة: «وتشكِّل كلاًّ لا يتجزّأ ولا يجوز فصلُ بعضها أو تأجيله عن بعضها الآخر.»39 ويشرح عفلق تخصيصَ الاشتراكيّة بكونها "عربيّة" في اعتباره إيّاها : «اشتراكيّةً ملائِمة لظروف وحاجة المجتمع العربيّ (كذا)»40 أوّلا، وهي ثانيا: «مرتبطة ارتباطا وثيقا بقوميّتنا العربيّة»41. بذلك يكون شرطَا "عروبةِ" الاشتراكيّة لدى عفلق هما: مراعاة خصوصيّات المجتمع العربيّ والارتباط بالقوميّة البعثيّة.
يتبنّى عفلق المعنى المعجميَّ لِكلمة "الاشتراكيّة"، لأنّ كلَّ التّعريفات الاصطلاحيّة حسْبه تعود إليه. وهذا المعنى الأصليّ هو: «اشتراك المواطنين في موارد البلاد الّتي هم منها»42. وغايةُ هذا الاشتراك: «أن يحسِّنوا حياتهم وبالتّالي حياةَ أمّتهم»43 . فمصلحةُ المجموعة عند عفلق حصيلةٌ ضروريّة لمصلحة الأفراد.
ويتبنّى عفلق أيضا التّفسيرَ الماركسيّ لظهور الاشتراكيّة تبنّيا جزئيّا. فيُسقط جانبَ الحتميّة من هذا التّفسير، ويُقرُّ بأنّ الاشتراكيّة رجوع: "إلى الحالة الطبيعيّة المشروعة"44 المتضادَّة مع ما سمّاه: "الوضع الشّاذّ"45 الّذي يعني به حالةَ ما قبل تحقّق الاشتراكيّة (البعثيّة تحديدا).
يمكن اعتبارُ مكوّنات الاشتراكيّة البعثيّة - العفلقيّة ثلاثةً هي: الاقتصاديّ فالاجتماعيّ فالسّياسيّ.
1)   المكوِّن الاقتصاديّ:
تردّدتْ عند عفلق المصطلحاتُ الماركسيّة من قبيل "الصّراع الطّبقيّ"46 و "الطّبقة المالِكة لوسائل الإنتاج" و"الطبقة المحرومة منها"47... بمعناها الأصليّ أو "بالمعنى العفلقيّ". واعتبر الكاتبُ صراحةً "الإقطاعيّة" و"الرّأسماليّة" و"العصبيّات العنصريّة والطائفيّة والمذهبيّة": "عِلَلاً" تعرقل نموَّ المجتمع العربيّ ويزيدها الاستعمارُ قوّةً ومناعة.48 تكرَّرتْ في الكتاب مصطلحاتُ "الطّبقة العاملة" و" الطّبقة الكادحة" و"البروليتاليا"، وهي مترادفات تسمِّي ضحيّةَ ما تعتبره الماركسيّةُ - والعفلقيّة أيضا - :"الاستغلال الطّبقيّ".49
عبَّر هذا المعجمُ عن رفضٍ صريح للنّظام الاقتصاديّ السّائد. فهو نظامُ ترفِ القلّة وبؤسِ الكثرة. ولكي تضمن القلّةُ مصالحها تتحالف مع القُوى الرّجعيّة والاستعماريّة، وتسيطر بقوّة المال على السّلطة حتّى لا تُبقي للأكثريّة السّاحقة المسحوقة إلاّ "حقَّ بقاء الرّمَق"50.
ويرى عفلق أنّ: «هذه الأوضاع الاقتصاديّة الجائرة المتأخّرة»51 تقسم مجموعَ العرب إلى "سادة" و"عبيد". وهو أمر يعرقل «نضالَ العرب في الوقت الحاضر»52. ونتساءل حول هذا: هل إنّ ما لا يجوز في "الوقت الحاضر" يجوز في وقت لاحق ؟
ما هو النّظام الاقتصاديّ الاشتراكيّ الّذي يعرضه عفلق حلاًّ جذريّا أوحدَ؟
في سياق التّأكيد على انقلابيّة البعث يرفض فيلسوفُ الحركة "الإصلاحَ التّدريجيّ" الّذي يتبنّاه "أكثرُ السّياسيّين" لأنّ: «التّبديل العميق في الحياة الاقتصاديّة عندنا يعني مثلا انتزاعَ الأراضي من يد الإقطاعيّين وتوزيعَها على الفلاّحين»53. كتب عفلق هذا المقالَ سنة 1950. ثمّ بعد نشأة "الجمهوريّة العربيّة المتّحدة" القصيرةِ العمر: «أصدر عهدُ الوحدة في أيلول 1958 قانونَ الإصلاح الزّراعيّ والعلاقات الزّراعيّة. وتقرَّر توزيعُ الأراضي المصادَرة من الملاّكين بالإضافة إلى أملاك الدّولة، على الفلاّحين»54. فحركةُ البعث وهي فكرٌ، قد طالبت بإعادة توزيع الثّروة، ثمّ وهي حزبٌ قد تبنّت مبادئَ الإصلاح الزّراعيّ النّاصريّ (نسبة إلى الزّعيم جمال عبد الناصر) وجسّدتها على الميدان السّوريّ.
يدعو عفلق إلى "المساواة الاقتصاديّة" وإلى "تكافؤ الفرص" بين أفراد الشّعب دون أن يحدّد آليات تطبيق هذه المساواة وهذا التكافؤ. ويرى أنّ الخروجَ من التّخلُّف الاقتصاديّ يكون: «بتخطيط سياسة اقتصاديّة تقوم على أُسس شعبيّة تقدّميّة ثوريّة، فتُوجَّه معظمُ الجهود لرفع مستوى العدد الأكبر من أبناء الأمّة العربيّة، وتنْصبّ على الأمور الجوهريّة ]...] كإنشاء الصّناعات الأساسيّة لتحرير البلاد من التّبعيّة الأجنبيّة»55. والاكتفاءُ الصّناعيّ المقصود هو العربيّ لا القطريّ. فهذا شرط لازم لعروبة الاشتراكيّة لدى عفلق.
أمّا حقُّ الملكيّة الفرديّة فإنَّ اشتراكيّةَ البعث، على خلاف الماركسيّة تُقِرُّه. لكنّها تحدُّ (أي تضعُ حدودا قصوَى) ملكيةَ الأفراد كما تفعل مع حقّ الإرث: فالمادّة 34 من دستور الحزب تقول: «التّملّكُ والإرث حقّان طبيعيّان مصُونان في حدود المصلحة القوميّة»56. ولم نجد في كتاب "في سبيل البعث" ما ينفي هذه المادّةَ. لكنْ دفاعُ عفلق عن "حرّيّة الفرد" ينطوي على إقرار ضمنيّ بحقِّ الملكيّة الفرديّة وإن كانت مقيَّدةً.
نجد عفلق أحيانا يختزل الاشتراكيّة في جانبها الاقتصاديّ، حتّى ينفي عمّا سمّاه "الاشتراكيّةَ الصّحيحة الّتي يحتاجها العرب" التّطابقَ مع الماركسيّة بما فيها من تحرّر اجتماعيّ وديمقراطيّة سياسيّة. فيقول: «الاشتراكيّة ليست أكثر من نظام اقتصاديّ مرِن متكيِّف مع حاجات كلّ أمّة. وليس بعسير على العرب أن يهتدُوا إلى اشتراكيّة عربيّة مستمدَّة من روحهم وحاجات مجتمعهم ونهضتهم الحديثة، تقتصر على إيجاد تنظيم اقتصاديّ عادل ]...[57 لكن ظلَّ هذا الأمرُ اليسيرُ مسكوتًا عنه.
إنّ اشتراكيّة البعث، إذ تحرص على الخصوصيّة وتنفي التباسَها بالماركسيّة، تضع نفسَها في "منزلة بين المنزلتين" (بعبارة المعتزلة عن حكم مرتكب الكبيرة). وفي هذا الاعتدال يقول "بوعلي ياسين": «نصّت السّياسةُ الاقتصاديّة على اشتراكيّة وسَطيّة تجمع بين حقّ التّملّك والإرث للأفراد، وملكيّة الدّولة لوسائل الإنتاج الرّئيسيّة، وتحديد الملكية الزّراعيّة والصّناعيّة، واشتراك العمّال في إدارة المعامل وأرباحها، وإشراف الدّولة على التّجارتين الدّاخليّة والخارجيّة»58 .
2)   المكوِّن الاجتماعيّ:
تردَّد في الكتاب المذكور الحديثُ عن العدل الاجتماعيّ باعتباره نتيجةً مباشِرة للعدل الاقتصاديّ. فهذا الأخير كفيلٌ بأن: «يحول دون الأحقاد والنّزاعات الدّاخليّة ودون استغلال طبقة لأخرى وما ينتج عن هذا الاستغلال من فقر وجهل وشلَل لنشاط أكثريّة أفراد الشّعب».59 ويعرِّف عفلق "المجتمعَ العربيّ المنشود" (أي المجتمع البعثيّ) بكونه ما: «يتحقّق فيه العدلُ وسلامة التّركيب بين أفراد الأمّة وطبقاتها»60.
في هذا المجتمع العادل السّويِّ الّذي شُفِيَ من "أمراضِه" الكثيرة، بعبارة عفلق، تتمتّع الأقلّيّاتُ الدّينيّة والمذهبيّة بحرّيّة المعتقد. وضرَب على ذلك مثالَ الأقلّيّة المسيحيّة في لبنان61. وتحافظ الأقلّيّاتُ العرقيّة على خصوصيّاتها الثّقافيّة. ومثَّل لذلك بالأكراد في العراق والآشوريّين والأرمن في سوريا62 والبربر في المغرب 63 . ذلك لأنّ اشتراكيّة البعث لا تعترف بالتّفريق الطّائفيّ ولا بـ "القوميّة المغلَقة المتعصِّبة"64 الّتي تصل حدَّ العنصريّة كما هو حالُ النّازيّة الألمانيّة مع زعيمها الرّوحيّ والسّياسيّ "أودلف هتلر".
كلُّ هذه الملَل والنِّحل الموجودةِ في البلاد العربيّة تدخل، إذن، بلا تنافر أو تصادم في نسيج المجتمع العربيّ أوّلا و الاشتراكيّ خاصّة، دون أن تفقد خصوصيّاتها. و يبرِّر عفلق الجمعَ المتآلف بين الأقلّيّات الدّينيّة والعرقيّة بكونها تشترك جميعها في نفس المعاناة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة. إذ يقول: «والآن ليس هناك أقلّيّات مضطهِدة و طوائف مضطهَدة، وإنّما هناك أكثريّةُ شعب مضطهَد هو الشّعب العربيّ. وهناك أقلّيّة مضطهِدة من المتآمرين مع الاستعمار. العربيّ والكرديّ والبربريّ والآشوريّ والمسلم والمسيحيّ والدّرزيّ إلخ... أفرادُ الشّعب الّذين يشكِّلون 90 بالمائة من أفراد الأمّة العربيّة مضطهَدون محرومون من قبل أقلّيّة تستغلّ الأوضاعَ الفاسدة وتستفيد من وجود الأجنبيّ»65 .
إنّ عفلق يصالح بين المذاهب والأعراق بواسطة الاشتراكيّة الّتي تعدل اجتماعيّا - واقتصاديّا- بين كلّ مواطني الأرض العربيّة. ولشدّ ما يذكِّرنا هذا الموقفُ البعثيّ على ضيقِ حيّزه الجغرافيّ، بشعار الماركسيّة الأمميّ: "يا عمّال العالم اتّحدوا"! ولأنّ اشتراكيّةَ البعث "مؤمِنة"، لم ترَ في الدّين "أفيونَ الشّعوب". بل اعتبرتْه سندا لها لمقاومة ما في المجتمع "ما قبل البعثيّ" من "فساد وظلم واستثمار" وحافزا على التّصدّي "للظّلم الاجتماعيّ".
كما اعترف البعثُ بالملكيّة الخاصّة، اعترف بحرّيّة الفرد المبدع الّذي يعود نفعُه على مجموع الأمّة ويساهم في الخير العامّ أو بالأحرى في خير "المجتمع البعثيّ". وعن أهمّيّة هذا الفرد الموهوب يقول عفلق: «مهمّةُ هذا التّنظيم ]يعني البعث ذا الطّابع الانقلابيّ] هي ]...[ خلقُ الفرد العربيّ الّذي هو أساس الجيل الجديد، الفرد الواعي المسؤول المؤمن، ثمّ جعل هذا الفرد أداة فعّالة صادقة في الحركة الّتي ستغيّر تاريخ أمّته» 66 . والفرد الّذي يحظى بالعناية الخاصّة فيؤطَّر ليؤطِّر هو "العضو البعثيّ". ولنا أن نستنتج من هذا أنّ مواطني البلاد العربيّة إن نالوا نفسَ الحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة تقريبا، فلن ينالوا من الزّعامة البعثيّة نفسَ العناية والاهتمام والمنزلة.
أمّا مسألةُ تحرير المرأة، وهي قضيّة اجتماعيّة عالميّة صارتْ مطروحة بإلحاح منذ الحرب العالميّة الثّانية، فلن نجد لها أثرا في مؤلَّف عفلق. هذا لأنّها كانت مسألة خِلافيّة أثناء المؤتمر التّأسيسيّ لحزب البعث. وكان الخلافُ أساسا «حول تحرير المرأة وهل يُثبَت في الدّستور أم لا».67 لقد آثر مؤسِّسُ الحركة أن يتجاهل هذه المسألة حتّى كأنّها لم تكن تجنبا لردود الفعل المحافِظة أو خوفا من الانشقاق داخل حزبه أو، ربّما، إنكارا للمسألة نفسها. فهل نفهم الحرّيّة الفرديّة الّتي نظَّر لها عفلق على أنّها حرّيّة الرّجال دون النّساء؟
3)   المكوِّن السّياسيّ:
في سياسة الحزب الدّاخليّة تنصُّ المادّةُ الأولى من مبادئ الدّستور العامّة على أنّ: «نظام الحكم في الدّولة العربيّة هو نظام نيابيّ ودستوريّ والسّلطة التّنفيذيّة مسؤولة أمام السّلطة التّشريعيّة الّتي ينتخبها الشّعب مباشرة»68. أمّا عفلق فقد اعتنى بالعلاقة بين أطراف الثّالوث المتحكِّم في النّشاط السّياسيّ: وهي النّظريّة السّياسيّة والزّعامة والقاعدة الجماهيريّة. ويرى أنّ مبدأ "الطّاعة" ]وهو مصطلح دينيّ بالأساس[ هو الواصلُ بين هذه الأطراف . فيقول: «القادةُ الحقيقيّون هم الّذين يعرفون أن يطيعوا الفكرةَ، كما أنّ الأعضاء المخلصين هم الّذين يطيعون الفكرة من خلال توجيه القادة»69. . يُوغل عفلق في المقارنة بين الأفرادِ: «الّذين يحتفظون بحرّيّتهم باستقلال تفكيرهم بصفاء نفوسهم»70 وبين المجموعِ «المدفوع بطبيعته، بغريزته إلى تمجيد الظّواهر والشّكليّات والعناوين والألفاظ والصّفات العامّة»71. وهي مقارنة ضِدّيّة تكاد تطابق الثّنائيّةَ العربيّة التّراثيّة: العامّة (أو الرّعاع) والخاصّة (أي النّخبة).
حسب عفلق يفكّر الزّعيمُ بالنّيابة عن الجماهير الكادحة بالسّاعد لا العقل، هذا  إنْ حقَّ له أن يفكّر فعليّا في النّظريّة البعثيّة. فهذه الأخيرةُ من اختصاص "خاصّة الخاصّة". ويبرّر عفلق إقصاءَ الجماهير من "حقّ المشاركة في التّفكير" بـ: «وجود أكثريّة ضعيفة جاهلة مستعبَدة لا تقدّر مسؤوليّاتها ولا تعي وجودها على حقيقته. لذلك تبقى الأقلّـيّة هي الّتي يمكن أن يتوفّر فيها الوعيُ والشّعور بالمسؤوليّة ]...] فالمشكلة في مجتمعنا إذًا هي مشكلة القيادة، مشكلة الأفراد الّذين تتوفّر فيهم الشّروطُ لقيادة المجتمع»72. وبمعجمٍ أخلاقيّ يميّز عفلق بين "القادة الصّادقين" و "القادة الكاذبين". أمّا معيارُ الصّدق والكذب فهو مدى الولاء " للفكرة " أي النّظريّة. ويحتجُّ عفلق لهذه الوصاية الفكريّة والسّياسيّة على عامّة الشّعب بِـ "أوزار عصور الانحطاط والتّأخّر"73، الّتي أضعفت العقلَ الجمعيّ العامّ.
أمّا مقاييسُ اختيار القيادات البعثيّة فيلخِّصها عفلق في أن تكون: «العناصرَ الأسلم من غيرها والأقلَّ مرضا وتشويها والأقدرَ من غيرها على التّفاهم والتّعاون والأكفأَ للعمل المنظَّم الواعي»74. ويرى في توفُّر هذه الزّعامات بهذه الشّروط "البعثيّة" سبيلا إلى: «تبديل حياة الشّعب بكاملها ...».75
يرى عفلق أنّ الدّولة يجب أن تكون عَلمانيّة (فصل الدّين عن الدّولة). ويعتبر ذلك تحريرا للدّين وحفاظا له من «ظروف السّياسة وملابساتها»76. ثمّ إنّ هذا الأمر يسهِّل انسجام الأقلّيّات الدّينيّة والمذهبيّة مع المحيط الإسلاميّ العامّ.
وفي السّياسة الخارجيّة مثّلتْ وحدةُ سوريّة مع مصر تجسيدا لكون اشتراكيّة البعث قوميّةً: يُطلب تحقُّقها على المستوى العربيّ لا القطريّ ولا العالميّ (بالمعنى الأمميّ الماركسيّ). وإن كان رفضُ عفلق للماركسيّة عائدا بالأساس إلى تعارض هذه الأخيرة مع الخصوصيّة العربيّة، فإنّه عائد بنسبة هامّة أيضا إلى النّمط الاشتراكيّ الّذي تطرحه الاشتراكيّة العلميّة: هو نمطٌ يسعى - نظريّا على الأقلّ- إلى صهر الفرد داخل المجموع وإلى نفي الدّين وإلى تفكيك جهاز الدّولة تدريجيّا. ثمّ إنّ "دكتاتوريّة البروليتاريا" الّتي تنظِّر لها الماركسيّةُ وتبشِّر بتحقّقها الحتميّ، تتعارض مع ما يُشرِّع له عفلق من "دكتاتوريّة القيادة" إنْ جاز التّعبير. وقد تطوّر التّعارضُ النّظري بين العفلقيّة وبين الماركسيّة إلى صراع إيديولوجيّ وسياسيّ عنيف بين حزب البعث والشّيوعيّين العرب الذين وصفهم عفلق بكونهم: «حركةً زائفة مصطنَعة »77.
   
الفصل الثّالث:  في حدودِ مفهوم الاشتراكيّة البعثيّة
I-               الجوانب الإيجابيّة:
لا تخلو اشتراكيّةُ فكر البعث مع "ميشيل عفلق" من جوانب إيجابيّة أجْملناها في التّالي :
1)   -  مسألة الخصوصيّة العربيّة:
يُحسَب لعفلق أنّه تبيّن مسألةَ الخصوصيّة بمعانيها المتعدّدة: الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة والدّينيّة والذّهنيّة ... حتّى وهو ينهل من اشتراكيّة "ماركس". وإدراكُ الخصوصيّة يدلُّ بقطع النّظر عن مدى الخطإ والصّواب فيه، على الوعي بضرورة تجنّب الإسقاط المتعسِّف للنّظريّة "المستورَدة" وعلى توفُّر الحسِّ النّقديّ السّياسيّ لديه، مهما يكنْ نسبيّا.
2)   - مراجعة النّظريّة البعثيّة:
اِعترف عفلق في كتابه الّذي اعتمدناه، بالتّقصير في صياغة الاشتراكيّة العربيّة. وكان ذلك سنةَ 1960 في مقاله "الدّورُ التّاريخيّ لحركة البعث" الّذي جاء فيه: «بقي لنا أن نقول أنّ المجال الّذي قصَّر فيه الحزبُ هو البحث الاشتراكيّ المنظَّم ووضع نظريّة مفصَّلة للاشتراكيّة العربيّة. فلقد كان يكفي الحزبَ في السّنوات الأولى أن يعلن عن مبدإ استقلال الطّريق العربيّ الاشتراكيّ، وأنّ الأمّة العربيّة تبني لنفسها اشتراكيّة مستمَدَّة من روحها وحاجاتها وظروفها. إلاّ أنّه كان من الواجب أن نتجاوز هذه المرحلة الابتدائيّة ونطوّر فكرتنا ونعمّقها ونغنيَها بتجارب البلدان الأخرى. وهذه إحدى مسؤوليّات البعثيّين الرّئيسيّة في المستقبل القريب»78.
مع هذا الاعتراف بالتّقصير التّنظيريّ اعترف عفلق بالأخطاء العمَليّة. وكان أهمُّها الصّدامَ بين البعث والشّيوعيّين. وهو صدام إيديولوجيّ بالأساس. لكنّه شرخ الحركةَ النّضاليّة العربيّة وأفقدها وحدةَ جناحيْها الأساسيّين. وفي هذا راجعَ عفلق نفسه . فقال سنة 1976: «كيف نكون ثوريّين اشتراكيّين مجددِّين، وفي الوقت نفسه نرى في الشّيوعيّة خصما فكريّا بدلا من أن نرى فيها صديقا وحليفا ؟!»79. ودعا عفلق في سياقات أخرى إلى التّحالف السّياسيّ بين جميع القُوى التّقدّميّة: «لإنهاء أنواع الاستغلال الطّبقيّ والاستعماريّ»80.

3)   - العلاقة مع الماركسيّة:
رغم التّناقض الإيديولوجيّ الصّريح بين الماركسيّة والاشتراكيّة البعثيّة الّذي يبلغ حدَّ الصّراع، وجدنا عفلق يستفيد من هذه النّظريّة علنا، ويجتهد في فهم الظّروف التّاريخيّة الّتي أنشأتْها ويعترف بسلبيّاتها كما بإيجابيّاتها. إذ أسند إليها أحيانا: "النّواحي الإيجابيّة الخطيرة"81 وإن كان قد توسّع أكثر في سلبيّاتها الكثيرة، وأهمُّها حسْبه عدم ملاءمتها للبيئة العربيّة.

4)   - التّفكير المرحليّ:
كثيرا ما خصّص عفلق الزّمانَ وهو يصوغ اشتراكيّته، كأنْ يُقِـرّ أمرا ويجعل صلاحيّتَه مشروطة بزمان محدَّد. من ذلك قوله: "صالح في وقتنا الحاضر" و "... اليوم" و "... المستقبل القريب" و "... في السّنوات الأولى" وغيرها كثير. ويدلّ هذا التّحديد الزّمنـيّ، مبدئيّا على الأقلّ، على أنّ نظريّة عفلق متفاعلة مع التّاريخ تتغذَّى به وتراجع نفسَها على أساسه وأنّها تسعى إلى أن تكون واقعيّة.

II-           الجوانب السّلبيّة:
وجدناها أكثرَ من الجوانب الإيجابيّة وأعمق أثرا ونتيجة:
1)  - الطّابعُ المثالـيّ:
اِشتراكيّةُ البعث كما عرضها عفلق مثاليّة في الأغلب، وتذكِّرنا باشتراكيّات القرن التّاسعَ عشرَ. فمؤسِّس البعث لا يراها: «إلاّ كعطاء دائم سخيّ، بأن نعطيَ الحياة أضعافَ ما بذلته لنا».82 هي إذن اشتراكيّة قوامها الاستعداد النّفسيّ والذّهنـيّ أوّلا والشّحنة الأخلاقيّة القِيميّة ثانيا. وهي: «دينُ الحياة وظفرُ الحياة على الموت»83. ويصِل عفلق حدَّ اعتبارها الوسيلةَ الوحيدة لضمان إنسانيّة الإنسان. وقد سيطر معجمٌ "رومانسيّ انفعاليّ"84على تعريفات الاشتراكيّة وعلى تعداد مزاياها وخياراتها.
2)  - غيابُ الجهاز النّظريّ:
لم يؤسِّس فكرُ البعث جهازا نظريّا يحدُّ المصطلحات ويرتّبها في نسق متكامل. لذا وجدنا مصطلحَ "الاشتراكيّة" مرادفا لمصطلح "القوميّة". وفي ذلك يقول عفلق: «يمكننا أن نقرّر بأنّ القوميّةَ العربيّة مرادِفة للاشتراكيّة في الوقت الحاضر»85. وفي نفس الصّفحة يعلن أنّ «]الاشتراكيّة[ فرعٌ خاضِع  للأصل الّذي هو الفكرة القوميّة »86. وتبدو الاشتراكيّة أحيانا أداةً لتحقيق غاية كبرى هي القوميّة. وفي ذلك يقول عفلق: «إنّ مصلحةَ القوميّة وبقاء الأمّة ومجاراتها للأمم الرّاقية وصمودها في تيّار التّنافس بين الدّول متوقِّف على تحقيق الاشتراكيّة»87. لقد جاءت مصطلحاتُ اشتراكيّة البعث في أغلب السّياقات غامضةً ضبابيّة قابلة للتّأويل وضدّه، بل أتت أحيانا مناقِضة لما بعدها أو لما قبلها.
3)   - عدم تكافؤ مكوِّنات الاشتراكيّة:
 نال الجانبُ الاقتصاديّ من الاشتراكيّة البعثيّة نصيبَ الأسد من التّنظير. إذ آمن عفلق بأنّ تحقيق الشّروط المادّية الضّروريّة كافٍ لحلِّ الأزمات الاجتماعيّة كلّها. وفي هذا الفهم تكريس نسبيّ "للمفهوم الماديّ للتّاريخ" الّذي تُنظِّر له الماركسيّة والّذي يُفسِّر كلَّ الظّواهر الإنسانيّة بالشّروط الاقتصاديّة. وكان عفلق قد نقد "الجدليّة الماديّة" مِرارا. ثمّ إنّ الوضع الاقتصاديّ لا يستطيعُ أنْ يحلّ مشاكلَ البنية الاجتماعيّة كلِّها أو يحلَّ تناقضات التّركيبة الذّهنيّة. فالإنسان أعقدُ من أن يُختزَل في حاجاتِه الاقتصاديّة المباشرة. ورغم الاعتناء بالاقتصاد فإنّ: «متابعة جادّة للخطاب الاقتصاديِّ في كتابات عفلق لا تقف بنا على مفاهيم دقيقة للاشتراكيّة العربيّة ولا على رصدٍ علميّ لخصائص الواقع العربيّ.»88
لم يكن الجانبُ الاجتماعيّ مستقلاّ بذاته، إنّما بدا تابعا للشّروط الاقتصاديّة. ثمّ إنّ غياب الحديث عن انتشار الأُميّة ووضعِ المرأة العربيّة والتّقاليد الظّالمة وغيرها من مظاهر البنية الاجتماعيّة، قد يُوحِي بأن مؤسِّس البعث يهرب من الإشكالِ عوض أن يواجهَه. وجاء الجانبُ السّياسيّ أقلَّ الجوانب "ثوريّةً" و "انقلابيّةً" وأبعدَها عن الاشتراكيّة الدّيمقراطيّة. فقد جمع عفلق بين مبدأ "عَلمانيّة الدّولة" ومبدإ "طاعةِ الزّعيم" جمعَ متآلفيْن، حتّى كأنّ القائدَ البعثيَّ إمامٌ شيعيٌّ معصومٌ مِن الخطإ! ويتدعَّم الحرصُ على الطّاعة بمصطلح "العقيدة": فنظريّةُ البعث وُضِعتْ في مرتبة العقيدة الدّينيّة الّتي أُبعِدت من مراكز النّفوذ السّياسيّ مع دولة البعث. واعتبارُ النّظريّة عقيدةً يكلِّسها ويجعلها تعيش أزمات داخليّة تخنقها أكثر ممّا تُطوِّرها. وهذا - على ما فهمنا-  قد أدركَه عفلق لاحِقا.

4)  - سيطرةُ الخَطابة:
نسبةٌ هامّة من مقالات كتاب "في سبيل البعث" كانت في الأصل شفويّة أي خِطابات وأحاديث أُلقِيت أمام جمهور مّا. وقد حافظتْ هذه المقالاتُ على اللّغة الخطابيّة الحماسيّة الّتي تُلهب الخيال ولكن لا تقنع في الأغلب. لقد اجتمع في هذه الكتابات عفلق الخطيبُ الدّاعية وعفلق المنظِّرُ السّياسيّ وعفلق المتحزِّبُ الّذي يناضل لنُصرة حركة سياسيّة على غيرها من الحركات المنافِسة والمتناحِرة.

                                     
الخاتمـــــــة
  رغم ما في فكر البعث من ارتباك تنظيريٍّ ومِن تناقضات داخليّة، فإنّ هذا الفكرَ قد مثَّل عنصرَ حيويّة في السّاحة السّياسيّة العربيّة. فقد اشتغلَ ميشيل عفلق بما توفّر مِن أدواتِ عملٍ فكريّة. فعبّر بنقائصِه كما بإيجابيّاته عن الظّرف التّاريخيّ العامّ. وفي هذا الشّأنِ لا يختلفُ مفهومُ الاشتراكيّة عن مفهوم القوميّة أو مفهوم الوحدة أو الحريّة. فكلُّها متداخلةٌ مع بعضِها بعضا، وإنْ كنّا نُقرَّ لميشيل عفلق بالرّيادة في كونه أسّس فكرًا سياسيّا عربيَّ النّشأة والملمَحِ والمقصَدِ.
نخلصُ من هذا إلى طرح بعض التّساؤلات:
1-     إلى أيّ مدًى عبّر ميشيل عفلق عن التّلقّي العربيّ للنّظريات الاشتراكيّة الغربيّة الوافدة على البلاد العربيّة في الأربعينيّات والخمسينيّات و السّتّينيّات؟
2-     ألا يكون تمادِي البعث في معاداة الشّيوعيّة العربيّة والعالميّة أثناء التّنافس على الرّيادة الإيديولوجيّة والسّلطة السّياسيّة، سببا من أسباب تصلُّب النّظريّة البعثيّة. إذ وَضعتْ نفسَها في مواقع الهجوم والدِّفاع أكثرَ ممّا وضعتْها في مواقع التّأسيس النّظريّ والبناء الفكريّ؟
3-     هل يكون ارتباكُ التّطبيقات السّياسيّة في الحكومات البعثيّة عائدا في جزء منها إلى ارتباك التّنظير؟ وهل يكون الانقسامُ السّياسيّ الحادّ بين البعث السّوري والبعث العراقيّ انعكاسا مّا لضبابيّة النّظريّةِ الأمِّ؟
إنّ هذه الأسئلة تصلحُ موضوعَ بحث آخر. فالفكرُ السّياسيّ العربيّ يحتاج المراجعةَ والتّحليل والإثراءَ حاجة مُلحَّة.
الهوامـش
1-    «Le mot ‘‘ Socialisme’’ revêt dans l’histoire des significations multiples. Multiples, au sein même d’un socialisme authentique, selon les écoles. Multiples, Selon les époques.» Encyclopaedia Universalis.
2-    «Doctrine qui rejette l’exploitation de l’homme par l’homme, la propriété individuelle des entreprises industrielles, agricoles, commerciales, et qui fonde le bonheur de l’homme sur la mise en commun de toutes les richesses». Larousse : Dictionnaire Encyclopédique illustré.
3-          الموسوعة العربيّة الميسّرة، فصل "اشتراكيّة".
4-    «La classe la plus nombreuse et la plus pauvre»  كتاب:" الشّيوعيّة العلميّة"، ص (13) 
5-         الشيّوعية العلميّة، ص (14).
6-          ن.م، ص (17).
7-          الموسوعة الفلسفيّة العربيّة، ص (76).
8-          الشّيوعيّة العلميّة، ص (8).
9-          ن.م، ص (8).
10-                    ن.م، ص (18).
11-                    الموسوعة العربيّة الميسّرة، فصل "اشتراكيّة".
12-                    الشّيوعيّة العلميّة، ص (76).
13-                                ن.م، ص (76).
14-                                ن.م، ص (482).
15-                                ن.م، ص (483).
16-                                ن.م، ص (482).
17-                                ن.م، ص (482).
18-                                ن.م، ص (409).
19-                                ن.م، ص (409).
20-                                الموسوعة العربيّة الميسّرة، فصل "اشتراكيّة".
21-                                ن.م.
22-                                ن.م.
23-                                الموسوعة العربيّة الميسّرة، فصل "بعث".
24-                                أرّخ عفلق "للحركة" بـ 1942 (ص 47) و "للبعث العربيّ" بـ 1940 (ص 164) و "للتيّار الشّعبيّ" بـ 1940 (ص176) و "للحزب" بـ 1941 (ص 241) و (ص 317).
25-                          الأحزاب و الحركة القوميّة العربيّة، ج (1)، ص (227).
26-                   Grand Larousse universel, Tome (II), p (950), « Baath ».
27-                          الأحزاب و الحركات القوميّة العربيّة، ج (1)، ص (289).
28-                          ن.م، ص (306).
29-                          الخطاب القوميّ العربيّ المعاصر، د.الطّاهر المنّاعيّ، ص (75).
30-                          ن.م، ص (73).
31-                          الأحزاب و الحركات القوميّة العربيّة، ج (1)، ص (398).
32-                          الخطاب القوميّ العربيّ المعاصر، ص (74).
33-                          دراسات في الاشتراكيّة، ص (193).
34-                          الأحزاب و الحركات القوميّة العربيّة، ج (1)، ص (221).
35-                          دراسات في الاشتراكيّة، ص (203).
36-                          الأحزاب و الحركات القوميّة العربيّة، ج (1)، ص (237-238).
37-                          في سبيل البعث، ص (180).
38-                          ن.م، ص (237).
39-                          ن.م، ص (237).
40-                          ن.م، ص (229).
41-                          ن.م، صص (229-230).
42-                          ن.م، ص (314).
43-                          ن.م، ص (313).
44-                          ن.م، ص (315).
45-                          ن.م، ص (315).
46-                          ن.م، ص (322).
47-                          ن.م، ص (323).
48-                          ن.م، ص (168).
49-                          ن.م، ص (213).
50-                          ن.م، ص (314).
51-                          ن.م، ص (317).
52-                          ن.م، ص (308).
53-                          ن.م، ص (71).
54-                          الأحزاب و الحركات القوميّة العربيّة، ج (2)، ص (75).
55-                          في سبيل البعث، ص (265).
56-                          دراسات في الاشتراكيّة، ص (203).
57-                          في سبيل البعث، ص (302).
58-                          الأحزاب والحركات القوميّة العربيّة، ج (1)، ص (219).
59-                          في سبيل البعث، ص (302).
60-                          ن.م، ص (66).
61-                          ن.م، ص (175).
62-                          ن.م، ص (173-175).
63-                          ن.م، ص (173).
64-                          ن.م، ص (171).
65-                          ن.م، ص (174).
66-                          ن.م، ص (68).
67-                          الأحزاب و الحركات القوميّة العربيّة، ج (1)، ص (221).
68-                          ن.م، ج (1)، ص (221).
69-                          في سبيل البعث، ص (36).
70-                          ن.م، ص (41).
71-                          ن.م، ص (41).
72-                          ن.م، ص (79).
73-                          ن.م، ص (41).
74-                          ن.م، ص (94).
75-                          ن.م، ص (94).
76-                          ن.م، ص (167).
77-                          ن.م، ص (135).
78-                          ن.م، صص (51-52).
79-                          الماركسيّة بين الأمة و الأمميّة، ص (13).
80-                          ن.م، ص (14).
81-                          في سبيل البعث، ص (213).
82-                          ن.م، ص (8).
83-                          ن.م، ص (9).
84-                          الخطاب القوميّ العربيّ المعاصر، ص (86).
85-                          في سبيل البعث، ص (307).
86-                          ن.م، ص (307).
87-                          ن.م، ص (316).
88-                          الخطاب القوميّ العربيّ المعاصر، ص (86).
                 
المصادر والمراجــع
* الكتب:
- باروت (محمّد جمال ومن معه): "الأحزاب والحركات القوميّة العربيّة"، المركز العربيّ للدّراسات الاستراتيجيّة، جزآن، 1995 .
- خليل غريب (حسن): "الماركسيّة بين الأمّة والأمميّة"، دار الطّليعة، ط1، بيروت، 2002.
- عفلق (ميشل ومن معه): "دراسات في الاشتراكيّة"، دار الطّليعة للطّباعة والنّشر، ط1، بيروت، 1960 .
- عفلق (ميشيل): "في سبيل البعث"، دار الطّليعة للطّباعة والّنشر، ط12، بيروت، 1974.
- ماركس (وإنجلز ولينين): "الشّيوعيّة العلميّة"، ترجمة د.فؤاد أيّوب، دار دمشق، ط1، 1972.
- المناعي (الطّاهر): "الخطاب القوميّ العربيّ من خلال أبحاث مركز دراسات الوحدة العربيّة" (1975-1990)، أطروحة مرقونة.
   * الموسوعات والمعاجم:
- "لسان العرب"، دار صادر، بيروت، ط1، 1997.
- "موسوعة السّياسة"، المؤسَّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، ط 3، 1995.
- "الموسوعة العربيّة الميسّرة"، دار إحياء التّراث العربيّ، بيروت، 1965.
- "الموسوعة الفلسفيّة العربيّة"، معهد الإنماء العربيّ، ط 1، 1988.
- "المنجد في اللّغة و الأعْلام"، دار دمشق، بيروت، ط 35، 1996.
- Encyclopaedie Universalis, S.A, France, 1996.
- Larousse : Dictionnaire encyclopédique illustré, Larousse, Paris, 1992.

الفهـــــرس
   - المقدّمة
       - الفصل الأوّل: في التّعريفات:
I- الاشتراكيّة : 1-  لغةً.
                  2-  اصطلاحًا.
 II- البعث: 1-  لغةً.
                        2-  اصطلاحًا.
II-            ميشال عفلق.
    IV-  "في سبيل البعث".
             - الفصل الثّاني: في مفهوم اشتراكيّة البعث:
   I- منزلة الاشتراكيّة في دستور البعث.
   II- مكوِّنات الاشتراكيّة في الفكر العفلقيّ: 1-  المكوِّن الاقتصاديّ.
                                             2-  المكوِّن الاجتماعيّ.  
                                              3-  المكوِّن السّياسيّ.
        - الفصل الثّالث: في حدود مفهوم الاشتراكيّة البعثيّة:
I- الجوانب الإيجابيّة:  1-  مسألة الخصوصيّة العربيّة.
                        2-  مراجعة النّظريّة البعثيّة.
                        3-  العلاقة مع الماركسيّة.
                        4-  التّفكير المرحليّ.
II      - الجوانب السّلبيّة:  1-  الطّابع المثاليّ.
                         2-  غياب الجهاز الّنظريّ.
                         3-  عدم تكافؤ مكوِّنات الاشتراكيّة.
                         4-  سيطرة الخَطابة.
    - الخاتمة.
    - الهوامش.
    - المصادر و المراجع.