محاورة رئيسة: "جمعـيّة الرّفـق بالحيـوان" حاورتها: فوزيّـة الشّـطّي تبنّيتُ قطّا سائبا علّمنِي مِن عالم الحيوان ما كنتُ أجهلُ وعرّفنِي مِن نفسي ما لم أكنْ أعرفُ. ومِن أفضاله الأخرى عليّ أنّه جعلنِي أكتشفُ وإيّاه "جمعيّةَ الرّفق بالحيوان". وبعد طول عِشرة، اقترحتُ على رئيستِها السّيدة "ليلى الفورجي" هذا اللّقاءَ، فرحّبتْ. وكان معها الحوارُ الآتِي في مكتبِها حيثُ تُقيم كلبةٌ وديعة تابعتْ حديثَنا مِن علَى فراشِها الوثِير وحيثُ زارتْنا الكلبةُ "جاز: Jazz" مِن فصيلة "الكَنيش" الّتي تخلّى عنها صاحبُها بعد أن هرِمتْ، ودفع 100د مقابلَ ذلك إعانةً للجمعيّة. فقد بلغتْ الرّابعَةَ عشْرةَ وهو ما يوافقُ حواليْ السّبعينَ مِن العُمر البشريّ. واعتادتْ أن تُرحِّب بجميعِ الوافدِين، ربّما طمَعا في أنّ صاحبَها آتٍ لِيستعيدَها. قالتْ عنها محدِّثتِي: «مصيرُها شبيهٌ بِمصير آلاف المسنِّين مِن البشر في العالمِ، فَعقليّةُ التّخلِّي عنِ الْمُسنِّ الّذي ما عادَ ينفعُ واحدةٌ تقريبًا». - كيف تُقدِّمين نفسَك إلى القرّاء؟ أنا طبيبةٌ بيطريّة. عندما درستُ بتونس تخصّصتُ في علاج القطط والكلاب. ثُمّ واصلتُ دراستِي بفرنسا حيث تخصّصتُ في طبّ وجراحة العيون الحيوانيّة. كان والدي رئيس الجمعيّة قبلي. - لِمَ اخترتِ هذا التّخصّصَ؟ اِخترتُ اختصاصَ الحيوانات الأليفة لأنّي لا أستطيع أن أعالج الحيوانات المعدّة للذّبح. فأنا نباتيّة منذ نِلتُ شهادةَ الباكالوريا أي منذ صرتُ ذاتَ إرادة مستقلّة. أسبابُ هذا القرار نفسيّة شعوريّة بالأساس. إذ إنّي لا أتحمّل أن آكل لحمَ حيوان كان حيّا. - لِمَ اخترتِ أن تكوني بيطريةً؟ أهي الصّدفةُ أم هو المبدأُ؟ أبِي وإثنان مِن أخوالي كانوا بياطرةً. تربّيتُ على وجود الحيوان معي في البيت. وكانت أسرتي تحملنِي، وأنا في الثّامنة مِن عمري، إلى سوق "لافايات" لأطعمَ القططَ السّائبة هناك وأداويها بِما أمكن. لكنّي حلَمْتُ بأن أصيرَ سائقةَ طائرة، ففي هذا العمل الكثيرُ من الصّرامَة [La rigueur] الّتي تُلائم طبعِي. وربّما لأنّي ثوريّة، وكانت قيادةُ الطّائرات وقتها حِكرا على الرّجال، فحلَمتُ بأن أكون أوّلَ امرأة تقتحمُ الميدان. ثُمّ إنّي فكّرتُ في أن أربح مالا كثيرا مِن تلك المهنة لأُموّل الجمعيّةَ. إذن ينصبّ اهتمامِي على الحيوانات حتّى وأنا أحلُم بعملٍ يبدو بعيدا جدّا عنها. بعد تردّدٍ قصيرٍ اخترتُ البيطرةَ، إذ غلبنِي حُبّ الحيوان وخيّرتُ الممارسةَ الميدانيّةَ بنفسي. فلوْ لَمْ أكنْ بيطريّةً لظللتُ مُتخوِّفةً على مصيرِ أيٍّ مِن حيواناتِي. عندِي سبعةُ كلاب في داري بتونسَ وخمسةَ عشرَ كلبا في مَقرِّي بفرنسا. - كيف تُعرِّفين الجمعيّة؟ تأسّستْ في 6 أفريل 1910، لذا فهي أقدمُ جمعيّةِ رفقٍ بالحيوان في شمال أفريقيا. تريْن أنّ مئويّتها على الأبواب بلا أيِّ مشروعٍ احتفاليٍّ. هي جمعيّةٌ خيريّة ذاتُ مصلحة عموميّة منذ 1923. في هذا المقرّ الرئيسيّ نعالج القططَ والكلاب ونُؤوِيها. أمّا فرعُ "سوسة" فيعالجها فحسبُ. ويهتمّ فرعُ "سيدي بوزيد" بالخيول عِلاجا وإِيواء. أُشرِف على الجمعيّة، وأشتغل بِها. ويساعدنِي بعضُ المتربّصِين الّذين ينقطعون عنِ العمل هنا دون إعلامٍ مُسبّق بِمجرد أن يجدوا وظيفة حكوميّة قارّةً. عندنا أيضا بعضُ عمَلة التّنظيف والحراسة. وتَملك الجمعيّةُ سيّارةً تجوبُ كلَّ الولايات، وهي خاصّةٌ بِجمع القطط السّائبة لتعقيمِها وتلقيحِها ضدّ داءِ الكلَب وتثبيثِ رقم تعريف في آذانِها حتّى نتعرّف عليها إذا أمسكناها مرّة أخرى. ونعيدها بعد ذلك إلى أمكنتها الأصليّة. - مَن يُموّل الجمعيّةَ؟ منذ 1996 نعيش بأموالنَا الخاصّة. قبلَ هذا التّاريخ كنّا نحصلُ على تَمويل مِن "جمعيّة الرّفق بالحيوان لشمال أفريقيا: SPANA" الّتي تأسّستْ بأموالِ بعض الأغنياء البريطانيّين للعناية بحيوانات شمال أفريقيا. ومقرّها العاصمة البريطانيّة "لندن". لكنْ حاول بعضُ المشرفين إجبارَنا على تشغيلِ أباطِرة إنقليز على حساب كفاءاتِنا. وعندما تَمسّكتُ بالرّفض استقالُوا وسحبُوا الدّعمَ مِنّا ليقدِّمُوه إلى جمعيّة أخرى أسّسها بعضُ مَن اشتغل معي. كان الاستمرارُ صعْبا بعد ذلك. - ما هي أوكدُ الضّرورات الّتي تحتاجها الجمعيّةُ الآن؟ نحتاج تَمويلا رسْميّا قارّا يُوظَّف لِتنظيم حَمْلةٍ وطنيّة سنويّة دائمة لِتحديد النّسل عند القطط والكلاب السّائبة وغير السّائبة. هذا هو الحلّ الإيجابيّ الوحيدُ. أمّا القتلُ فليس حلاّ لأنّه جريمةٌ أخلاقيّة تعتدِي على حقّ هذه الكائنات الّتي خلقها ربِّي في الحياة، ولأنّه سلوكٌ مُشِين يَمسّ السّمعةَ السّياحيّة للبلاد. أنا مُستعدّةٌ لتحاسبَنِي البلديّةُ أو أيّ طرف مسؤول حِسابا دقِيقا على هذه الأموال. ففي أغلب البلدان المتقدّمة والمتوسّطة مثل "بلغاريا" تكون البلديّةُ هي المسؤولة عن تحديدِ نسل الحيوانات السّائبة كما هي مسؤولة عن حِماية المواطِن مِن الأوساخ. وكنتُ أنجزتُ أكثرَ مِن عشرة آلاف عمليّة تعقيمٍ للكلاب السّائبة في مدينة "لوم: Lom" شمال بُلغاريا تحت إشرافِ البلديّة وحمايتِها. فما المانعُ مِن إنجاز أمر كهذا في بلادي؟ لَم يتقدّمْ أيّ بلدٍ دون تحديدِ نسْل البشرِ فيه، كذلك الحالُ بالنّسبة إلى الحيوان. وبلادُنا مقارنةً مع دُولِ أفريقيا السّوداء شاهدٌ على صحّةِ ما أقولُ. - كيف تصلُ الحيواناتُ إلى الجمعيّة؟ في ثمانين بالمئة [80٪] مِن الحالات يتخلّى المواطِنُ عن حيوانه الخاصّ لأسباب متنوِّعة. هناك مَن يضع الحيوانَ المهملَ أمام باب الجمعيّة ليلا لنأخذَه نحن صباحا، وهناك مَن يسلِّمه لنا مباشرة ويدفعُ مقابل ذلك إعانةً تساعدنا على معالجة ذاك الحيوان وإطعامه في ما بقي مِن عمره. أمّا النّسبةُ الباقِية فيجلبها بعضُ النّاس مِن الشّوارع لإيداعِها عندنا خاصّة إذا كانت مريضةً تحتاج العلاجَ. - ما الخدماتُ الّتي تُوفِّرها الجمعيّةُ للحيوانات؟ عندنا العيادةُ والجراحةُ. وكما أنّ الإنسانَ المريضَ يقصدُ المستشفى ويدفعُ مالا مقابل ما يتلقَّى مِن خدمات صحيّة، كذلك الشأنُ بالنّسبة إلى الحيوانات. لكنْ يظلّ تحديدُ النّسل أولويّةً خاصّة مع القطط والكلاب السّائبة والمهمَلة، لأنّها إذا زادتْ عن حدِّها أفسدتِ البيئةَ وساهمتْ في نشْرِ أمراض وآفات خطيرة. - حدِّثِينا عن بعضِ الحيوانات الّتي وصلتْكم معذَّبةً. جلب أحدُ المواطنين كلبا محروقا ألقَى به أطفالٌ في النّار. ظلَّ عاما كامِلا يخضعُ لعمليّات زراعةِ الجلد حتّى ألِفَ العذابَ وألِفَنا وألِفْنَاه. وقد سَمّيناه "نار" تذكيرًا بِمَأساتِه. تصلُنا قططٌ وكلابٌ كثيرةٌ مفقُوءةُ العيون بسبب الأمراض كَـ "السّكّرِي" أو "النّزلة الْمُزمِنة" الّتي تُقيِّحُ العيونَ حتّى تُعمِيَها، أو بفعلِ فاعل بشريّ. وجاءنا كلبٌ "مذبوح" بِحبل لأنّ صاحبه لَمْ يفكّرْ في توسيع الرّباط حول رقبته طيلةَ سنوات. فنما اللّحمُ فوق الحبل. وكان لِزاما علينا أن نفتح الرّقبةَ، بِما يشبهُ ذبْحا جديدا، لإخراج الحبل مِن اللّحم الحيّ. هذا أمر كثيرُ الحدوث لأنّنا ننسَى أنّ الحيوان الأليفَ كائنٌ حيّ يكبرُ ويتألّم لكنّه لا يبكِي ولا يشتكِي. كثيرا ما نتعاملُ معه كما لو كان دُميةً لا حياةَ فيها. ويتعذّبُ الحيوانُ أيضا بسببِ "الموضَة": ففي هذه الأيّام شاعَ قطعُ أذْنابِ القِطط والكِلاب وقطعُ آذانِها دونَ تخدِيرٍ ودونَ اللّجوء إلى بيطريّ مُختصّ. هكذا تدفعُ الحيواناتُ الأليفةُ ضريبةَ ذوقٍ قاسٍ ومُختلٍّ ومُتقلِّبٍ لا دخْلَ لها فيهِ. - ما قصّةُ الممثلةِ الفرنسيّة المعتزِلة "بريجيت باردو" مع هذه الجمعيّة؟ عُرِفتْ هذه الممثِّلةُ بنشاطِها في سبيل حماية الحيوان. وقد موّلتْ عام 2000 مشروعا غايتُه تعقيمُ الكلاب السّائبة في يوغسلافيا ورومانيا وبلغاريا على يد بياطرة فرنسيّين. لكنْ كان المردودُ غيرَ كافٍ رغمَ كثرة المصاريف. في جوان 2001 اتّصلتْ بي جمعيّةُ "بريجيت باردو" لتطلب منّي العمل في إطار "تعاونٍ: Mission" مدّةَ شهر. قبِلتُ وذهبتُ إلى "بلغراد" و"صوفيا" و"بوخاراست" وهي مدنٌ بُلغاريّةٌ تعجّ بالكلاب. بعد انقضاءِ الشّهر طُلِب منّي العودة لأنّ المشروعَ طويلُ المدى. فقضيّتُ هناك قرابةَ خمس سنوات. واشترطتُ أثناءَ ذلك أمريْن: أن أحصُلَ على دعم لجمعيّتِي طيلةَ مدّة غيابِي وأن أرجِعَ إلى تونس مرّة كلّ شهر على حساب الجمعيّة الفرنسيّة. وكان لي ذلك. وبمجرّد انتهاء العقد توقّفَ الدّعمُ. لقد لامنِي الكثيرون على أخْذِ المال مِمّن اُتّهِمتْ "بالعنصريّةِ وبمعاداةِ العرب والمسلمين". والحقّ أنّها استنكرتْ أن يَذبَح المسلمُون خروفَ العيد في ديارِهم، ودَعتْهم إلى فعلِ ذلك في المسالِخ البلديّة المفتوحةِ على ذِمّتهم. ثُمّ إنّ القانونَ الفرنسيَّ يَمنعُ منعًا باتّا المسيحيّ والمسلمَ واليهوديّ مِن ذبحِ الحيوانات خارجَ المسلخِ، كلّهم على حدٍّ سواءٍ. واحترامُ قوانينِ بُلدان الإقامةِ أمرٌ واجبٌ علينا في دُولِ المهجَرِ كمَا على الأجانبِ المقيمِين في بلادنا. - كيف تُقيِّمِين ثقافةَ الرّفق بالحيوان في تونس مقارنةً مع ما هو شائِع في فرنسا مثلا؟ تحت الصّفر. أمّا في فرنسا فالمعدّلُ مقبولٌ إجْمالا سلبا وإيجابا. عندنا تسودُ أفكارٌ خاطئةٌ مِن قبِيل أنّ الكلبَ منجوسٌ وأنّه ينقلُ في فصلِ الصّيف تحدِيدا "داءَ الكَلَب: La rage" ربّما لتشابُه الأسْماء. والحالُ أنّ كلَّ الحيوانات يُمكن أن تُصاب بِهذا الدّاء وأن تنقُله في كلّ الفصول. والكلبُ أو القطُّ لا يُسبِّبان الإصابةَ بالكيس المائيّ إلاّ إذا لم يتناولا دواءَ الدّود الخاصّ بانتظامٍ. هكذا يُساهم "الدّينُ الشّعبِي" و"الطّبّ الشّعبِيّ" في الحطّ من قِيَمِ الرّفق بالحيوان. أحترمُ مَن لا يحبّ الحيوانات. لكنّي لا أسامحُ مَن يعذّبُها تعذيبا مجانيّا، وأخصّ بالذّكر منها تلك العاملةَ المتفانِيةَ في خِدمتِنا. في فرنسا إذا اشتكَى جارٌ مِن أنّ جارَه يعذِّبُ حيوانَه، نُنجِز تحقيقًا سِرّيا. وإذا ثبتتِ التّهمةُ نفتكّ الحيوانَ مِن صاحبه بقوّةِ الشّرطة. هل تعتقدين أنّ أمرا كهذا يُمكن أن يقعَ هنا؟! - ما قوانينُ الرّفق بالحيوان الّتي تُريدِين تطبيقَها ببلادنا في أقربِ الآجال؟ أوّلُها قانون يَمنعُ قتلَ الحيوانات دون سببٍ معقول ولو كانت سائبةً، ثانيها قانونٌ يمنعُ استعمالَ الحيوانات لغايات تجاريّة. إذْ تُباع جراءُ القطط والكلاب قبل بلوغها الشّهريْن مِمّا يجعلُها ضعيفةَ المناعة وعُرضةً للأمراض. ثُم إنّ ثَمنَ بعضِ أنواع الكلاب في بلادنا بلغَ أربعةَ آلاف دينار وبلغ ثمنُ بعض القطط ألفيْ دِينار، والحال أنّنا نفتقد العددَ الضّروريّ مِن البياطرة الممارسِين للمهنة. هذا "الجنونُ التّجاريّ" لا يخدِمُ مصلحةَ الحيوان في شيءٍ. أريدُ أن أذكّر بأنّ بلادَنا صادقتْ منذ عام 1956 على "قانون قرامون" Loi de Grammont. وهو قانونٌ يختصّ بحماية الحيوان مِن التّعذيب بكلِّ أنواعه. إذن نِطاحُ الكِباش وصراعُ الجِمال أو الكلاب أو الدّيَكة كلّها مَمنوعةٌ قانونا. إذْ لا يَجوزُ استعمالُ تعذيب الحيوان لإمْتاعِ البَشر. وما يحدثُ في إسبانيا مثلاً لا يبرِّرُ هذه الجرائمَ ولا يُلزِمُنا لأنّ جذورَه هناك ضارِبةٌ في التّاريخِ. [مصارعةُ الثّيران صارتْ موضوعَ جدَلٍ عنيفٍ في إسبانيا بفضلِ المدافعِين عنِ الرّفق بالحيوان وعن سُمْعةِ البلاد. الْمُحاوِرةُ]. - ما الشّروطُ الّتي يجبُ أن تتوفَّر في الإنسان لِتعتبرِيه رفِيقا بالحيوان؟ يكفِي أن يحترمَ إنسانيّتَه وأن يقدِّر البيئةَ الّتي يعيشُ فيها الإنسانُ والحيوانُ والنّباتُ جنبا إلى جنب. مَن يُلقِي بفضلاته مِن سيّارتِه الفاخرة قادرٌ على أن يُعذّب الحيوانَ دون أن يرِفّ له جفنٌ. لا صلةَ لهذا الأمرِ بالغِنَى والفقر ولا بالعلم والجهل. - ما الفرقُ عندكِ بين الرّفقِ بالإنسان والرّفق بالحيوان؟ لا فرقَ إطلاقا. كِلاهما يسيران بالتّوازي والتّكامل. الحيوانُ الّذي يجرّ عربةً أهمّ عند ربِّ العائلة مِن أيِّ شيءٍ آخر. فهو موردُ الرِّزق ورفيقُ الحياة. وإذا كان الحيوانُ في صحّةٍ جيّدةٍ لن يُمثِّل خطرًا على أصحابه. إذن الرّفقُ بالحيوان هو الدّرجةُ الأولى الضّروريّةُ مِن الرّفق بالإنسان. أمّا قتلُ الحيوان وتعذيبُه فلن يحسِّنَ ظروفَ الإنسان. - هل تعتبرِين نفسَك مُناضلةً رائِدةً في مجال الرّفق بالحيوان؟ أعتبرُ نفسِي مواطنةً تونسيّةً بأتَمِّ معنَى الكلمة. أشتغلُ بفرنسا لأُحصِّل المالَ اللاّزمَ لجمعيّتِي. كان بوِدِّي أن أستقرَّ في بلادي لو وجدتُ الدّعمَ المالِيّ والإرادةَ السّياسيّة الضّروريّين. يجبُ أن أحظَى بفريقِ عملٍ دائم ومنظَّم يَمسح كلَّ الولايات التّونسيّة بعمليّاتِ تعقيمٍ مجانيّة للقطط والكلاب السّائبة وغير السّائبة. - هل يتبرّعُ التّونسيّ للجمعيّة؟ لا. كلّ التّبرّعات آتيةٌ مِن خارج البلاد، وخاصّة مِن فرنسا وإيطاليا وسويسرا وألمانيا. وبكلّ المتبرِّعين تربطنِي علاقاتٌ مِهنيّة: كأنْ يتبنّى أحدُهم حيوانا مِن جمعيّتنا أو أكون عالجتُ حيوانَ أحدِهم أو اشتغلتُ مع بعضهم. [أرتْنِي مُحاوِرتِي ستّةَ شيكات حديثةِ العهد تحمل أسْماءً لاتينيّة لِمتبرِّعين أجانب، كلُّها بعُملة "الأورُو" وسُجّلت باسم: جمعيّة الرّفق بالحيوان: SPA Tunisie]. - شاهدتُ في إحدى القنوات التّلفزيّة التّونسيّة لقْطَةً توعوِيّةً تُحذِّر النّساءَ الحواملَ مِن مُجرّد لَمْس القِطط. ما ردّ الطّبِّ البيطريّ على هذا؟ هذا المرضُ [مرضُ الطُّفيْليّات الهلاليّة: Toxoplasmose] يُـمكن أن ينتقلَ عبر فضلات القطّ. وتتمّ العدوَى عن طريقِ الاستنشاق. إذا كانت المرأةُ قد أصِيبتْ به قبل الحملِ فإنّها تصبحُ ملقَّحةً طبيعيّا لأنّ جسمَها يكون قد خَلقَ "أجساما ضِدّيّة" Anticorps تُكسِبها مناعةً طبيعيّة. في هذه الحال لا يُمثّل القطّ أيّ خطر على الحامل. كي نقطع الشّكَّ باليقين يجبُ أن تُجريَ المرأةُ الحاملُ تحليلا مُعيّنا للدّمّ في أوّلِ الْحَمل لاكتشافِ وُجود المرض مِن عدمه، إذ ليس لهذا المرض علاماتٌ واضحة. فإنْ كان التّحليلُ سلبيّا، أيْ لَم تُصَبْ بِهذا المرض قبلاً، كان لِزاما عليها تجنّبُ فضلاتِ القطط. وإنْ كان التّحليلُ إيجابيّا لا خوفَ عليها مِن القطط. مع العلم أنّ القطَّ ليس حامِلا بالضّرورة لهذا المرض. - يشتكِي المواطنُ مِن ارتفاعِ المبلغ الّذي تفرضُه الجمعيّةُ على مَن يريد إيداعَ حيوان مُهمَل لديها [25 دينارا للقطّ و100 دينار للكلب]. ما ردّك؟ بدأنا تنفيذَ هذا الإجراء منذ ثلاثِ سنوات، لأنّي لَم أجدْ حلاّ آخرَ للتّقليل مِن تسْليم الحيوانات المهمَلة إلاّ تَـمويلَ تسليمِها. والمبلغُ الّذي يقدّمُه المواطنُ هو إعانة للجمعيّة لا تُمثّل سوى النّزرِ اليسير مِن تكاليف علاج الحيوان المودَع وغذائه. نحن ككلِّ الجمعيّات نعيشُ بالإعانات. ثُمّ إنّي لم أطرقْ بابَه، هو الّذي أتانِي بنفسه ليرتاحَ مِن عِبْءِ حيوانه. أنا أجبرُ النّاسَ مُضطرّةً على مدِّ يدِ العوْن لأنّنا لم نتلقّ الدّعمَ مِن أيّ مؤسّسةٍ وطنيّة. في أغلبِ الحالات لا نلتزمُ بِهذه المبالغِ عندما نُدرك أنّ المواطنَ عاجِزٌ حقّا عن الدّفعِ [أَرَتْنِي مُحدِّثتِي الدّفترَ الّذي تُسجّلُ فيه كلُّ القطط والكلاب الّتي قبِلتِ الجمعيّةُ تسلّمَها، ولاحظتُ بنفسِي أنّ أغلبَها لَم يدفعْ مسلِّمُوها أيّ مبلغٍ مالِيّ]. المشكلُ أنّ التّونسيّ صار يَتخلّى عن حيوانِه الأليف لأنّه مريضٌ أو لأنّه طعَنَ في السّنّ أو لأنّ المصيفَ على الأبواب... أصبحْنا نتعاملُ مع الحيوان كما لو كان لعبةً حيّة، نلعبُ بِها متَى نُريد ونرمِيها بعيدا عندما نَمَلّ مُلاعبتَها! - كمْ كلبًا مُهمَلا يَجلبه التّونسيّون إلى الجمعيّة؟ وهل يُعبِّر هذا الرّقمُ عنِ العددِ الحقيقِيِّ للحيوانات الفاقدةِ السّندَ في بلادنا؟ العددُ الجمليّ بين ثلاثِ مئة وأربعِ مئةٍ سنويّا، أي بِمعدّل ثلاثين كلبا شهريّا. لكنّ المطالبَ أكثرُ بكثيرٍ مِن طاقةِ استيعاب الجمعيّة. مِمّا لا شكّ فيه لا يعبّرُ هذا الرّقمُ عن حقيقة وضع الحيوانات المهمَلة. إذا قرّرنا تربيةَ كلب مثلا يجبُ أن نُدرِك أنّه سيعيش معنا خمسةَ عشرَ عاما على الأقلّ. الوعيُ بِهذا الأمر ضروريّ حتّى لا نضعَ أنفسَنا في مأزقٍ يُعذِّب ضمائرَنا ويعذِّب الحيوانَ الّذي تعلَّقَ بنا. - يرى بعضُ المختصِّين في علم النّفس أنّ تربيةَ حيوانٍ أليف يحمِي الأطفالَ مِن مرضِ البدانة [L'obésité] ويحمِي الكبارَ مِن أمراض الكآبة والضّغط النّفسيّ وغيرهما. ما رأيُك؟ هذه نماذجُ مِن الأفضالِ النّفسيّة للحيوان. في البلدان الـمتقدِّمة تُوفِّر بيوتُ الـمسنّين والمستشفياتُ المختصّةُ بالأمراض المزمنة الخطيرة، كالسّيدا، القططَ والكلابَ لنُزلائِها. لا أمراضَ ولا أخطارَ. فوجودُ هذه الحيوانات مع المسنِّين والمرضى يُؤنسُ ويُخفِّفُ المعاناةَ ويساعِدُ على الشِّفاء. والطّفلُ اليتيمُ مثلا يحتاجُ كلبا ليمنحَه الزّادَ العاطفيّ الّذي ينقصُه. والحيوانُ الرّياضيّ يَحتاج الدّعمَ النّفسيّ مِن صديقٍ حيوانِيّ. لذا يُوضع مع خيولِ العدْو الّتِي تنتظرُ مُباراةً قِطّ أو كلبٌ أو خروفٌ ليخفِّف عنها الضّغطَ والخوفَ والارتباكَ. - ما هي مظاهرُ حبِّ الحيوان الّتي أثَّرتْ فيكِ أكثرَ مِن غيرها؟ أن يعيشَ صاحبُ الحيوان المريض حالةَ التّرقّب والخوف والتّوتّر أثناءَ إجراءِ عمليّة جراحيّة لحيوانه. هناك مُواطنةٌ تونسيّة عالجتْ على حسابِها الخاصِّ كلبةً محطَّمةَ الفمِ وَجدتْها في الشّارع. ثُم تخلّتْ عنها للجمعيّة ودفعتْ إعانةً بِمئتَيْ دينارٍ مِن تِلقاء نفسها. - هل تفهمين لغةَ الحيوانات الّتي تربِّينها وتُعالجِينها؟ طبعا. أفهمُها وتفهمنِي بلُغةِ العيون. تصرّفاتُ الحيوان تقولُ الكثيرَ، وعلينا نحن أن نتعلّمَ فهْمَها. للحيوانِ ذكاءٌ مُختلِفٌ وذاكرةٌ قويّة منظّمة وقدرةٌ كبيرة على تَميِيز الأصوات والرّوائح. الكلابُ والقططُ تشمّ رائحةَ المشاعرِ وتعرفُ بذلك مَن يُحبّها ومَن يكرهُها. بعضُ الكلاب تستطيعُ أنْ تكتشفَ الخيانات الزّوجيّة. فقد بيّنَ بعضُ دارسِي السّلوك العدوانِيّ المفاجِئ عند الكلاب أنّها اعتَدتْ على أصحابِها لأنّها شَمّت رائحةَ عشيقٍ أو عشيقةٍ! - ما السّؤالُ الّذي تَودِّين طرحَه على الرّأي العامِّ التّونسيّ؟ أجِيبونِي، أيّها المواطنون، إذا كانت الجمعيّةُ تتلقَّى ما بين ثلاثِ مئةٍ وأربعِ مئةِ قطٍّ رضيعٍ شهريّا فقُولُوا: لِي أين أضعُها؟ وماذا أطعمُها؟ ومِن أين أداوِيها؟ الجمعيّةُ ليستْ إلاّ حلاّ جُزئيّا للحيوانات المهمَلة. أبسطُ ما يُمكن فِعلُه لحيواناتِنا هو تعقيمُها كيْ لا تُنجبَ ضحايا نحن عاجزين عن تربيتِها. هنا نُجرِي ثلاثَ مِئة عمليّةِ تعقِيم للقِطط شهريّا بلا مقابِل. أمسِ عقّمْنا ستّةَ عشرَ [16] قطّا مِن زغوان. واليومَ عقّمْنا قُرابةَ ثلاثين [30] قطّا مِن صفاقس مقابل إعانةٍ بِمئتَيْ دينار. نحن في حالةِ عجْزٍ ماليّ دائمٍ يُقدّر بِحواليْ إثنَيْ عشرَ [12] ألفِ دينار، لأنّ المصاريفَ أكثرُ مِن المداخيلِ. في أوروبا يتبنّى بعضُ الحرفاء القارِّين الحيوانَ الطّاعنَ في السّنّ بمحضِ إرادتِهم. وكلّما مات الحيوانُ عادُوا ليطلبوا غيرَه قائلين: "أعطُونِي أكبرَ الكلاب سِنّا". هذا يخفّفُ الحِمْلَ على جمعيّاتِ الرّفق بالحيوان هناك. أمّا نحن فنريدُ الحيوانَ الأليفَ شابّا وسِيمًا سلِيما مُعافًى مِن كلّ الأمراض. كيف للجمعيّة أن تتحمّل كلَّ هذه الأعباءِ وحدَها؟ - كيف يتمّ تبنِّي الحيوان مِن هذه الجمعيّة؟ قبل أن تغادر الحيواناتُ، إناثا كانتْ أو ذُكورا، الجمعيّةَ يجبُ أن تُعقّم [أيْ تُجرَى عليها عمليّةُ تحديدِ النّسل] وتنالَ التّلاقيحَ اللاّزمَةَ وتحملَ تعريفًا على الأذُنِ بواسطة آلةٍ طابِعةٍ. ثُمّ نضبِطُ عقْدَ تَبنٍّ فيه خصائصُ الحيوان ومشاكلُه الصّحيّة والنّفسيّة. ونأخذُ مِن طالبِ التّبنّي الوثائقَ الرّسْميّةَ الثّابتة كبطاقةِ التّعريف الوطنيّة وفاتورةِ الكهرباء والعنوانِ القارّ. يجبُ أن نُدركَ الحالةَ الّتي سيعيشُ عليها الحيوانُ وأنْ نتأكّدَ مِنْ أنّه لن يُقضِّيَ بقيّةَ عمْرِه مُقيّدا على سطح الدّار ولن يكونَ بضاعةً للمُتاجرةِ. ولكنْ إذا عرفنا أنّ حيوانَنا لن يكونَ سعِيدا نَمتنعُ عن تنفيذِ باقي مراحلِ العمليّة. هكذا يتِمّ الأمرُ داخلَ بلادنا. أمّا في فرنسا فنُضيفُ إلى ما سلَفَ إلزامَ المتبنِّي بأن يأتيَنا بشهادةٍ طبّية بعد ثلاثةِ أشهر مِن تاريخ التّبنِّي تُثبتُ أنّ الحيوانَ بصحّةٍ جيّدة، فهذا مِن بُنُود العَقد. وإنِ امتنعَ نسترجعُ الحيوانَ بسُلطة القانون. لكنْ في تونس نتخلّى عن هذا البنْد لأنّ ثقافةَ تبنِّي الحيوان ضعيفةٌ جدّا بطبعِها. وفي المقابل يطالبنا المتبنِّي الأجنِبيّ بِوجود "شارَة إلكترونية: Puce électronique" مزروعةٍ تحت جِلد الرّقبة تَحملُ هُوِيّةَ الحيوان وبتحليلٍ للدّم يُثبتُ أنّ التّلقيحَ ضدّ الكَلَب الّذي تلقّاه في تونس ناجِعٌ ومُفيدٌ لِجسمِه. نحن نُنجزُ هذا النّوعَ مِن التّحاليل في إحدى الدّول الأوروبيّة بسعرٍ تفاضُليّ يبلغ [100 أورُو] للحيوانٍ الواحد. - بِمَ تُحبِّين أن نَختِم هذا اللّقاءَ؟ أطلبُ أمرًا مُحدّدا: وهو أن أُقابلَ السّيّدَ رئيسَ الجمهوريّة والسّيّدةَ حرمَه لأشرحَ أوضاعَ الجمعيّة ولأوضِّحَ المشروعَ الّذي أُريد تنفيذَه في وطنِي. أريدُ تنظيفَ البلادِ مِن الكلاب والقطط السّائبة دون عنفٍ أو قتلٍ. أحِبّ أن أدافعَ عن الكلابِ الملقاةِ في الشّوارع الّتي لا يُدافِعُ عنها أحدٌ. إنّ سُمعتِي المهنيّةَ عالميّةٌ، فلِم لا يَحقّ لي استثمارُها في وطنِي الأمِّ؟! لِم لا أَحْظى بالتّقدير هنا، وأُعْطى الثّقةَ هناك؟! أنا أناقشُ بلادِي لأحسِّنَ ما استطعتُ تَحسينَه فيها. خِتاما يجبُ أنْ نلتفتَ جَميعُنا إلى مسألةِ الرّفق بالحيوان بواقعيّةٍ وجدّيّةٍ وأن يُؤدِّيَ الإعلامُ التّوعويّ دورَه الحقيقيّ في شرحِ الأمورِ شرحًا طبّيّا بيطريّا ولا يكتفِي بِمجرَّدِ التّخوِيف والإِفزَاع. ودّعتُ "جمعيّةَ الرّفق بالحيوان" رئيسةً وعمَلةً ونُزلاءَ. وفي الطّريق طرحتُ على نفسي سؤالا شائعا: "هل ضَمِنّا حقوقَ الإنسان حتّى نطالب بحقوق الحيوان؟". ثُمّ أجبتُ بنفسِ الصّيغة الإنكاريّة: "أوَبيْنَ الإنسانِ والحيوانِ مِن الصِّراع ما يجعلُ حقوقَ أحدِهما ضَدِيدا نافِيا لِحُقوقِ الآخر؟ ما الّذي يَمنعُ أن يسيرَ نوعَا الحقوقِ مَعا بِالتّعاضُد؟ أيكونُ فقرُ حقوقِ الإنسانِ مُبرِّرا كافِيا لِسحْقِ حُقوقِ الحيوان؟ لِم لا نرَى عند التّنظيرِ للبيئةِ السّليمةِ إلاّ النّباتَ مع أنّ التّوازنَ الطّبيعيّ يفرِضُ إشراكَ الحيوانِ في ذلك؟ ...". يكفِينا هذا الدّليلُ اللّغويّ على نِظرتِنا الدّونيّة السّاديّة للحيوان: إنّ عبارةَ "تبنَّى حيوَانا" الشّائعةَ في اللّغاتِ الفرنسيّةِ والإنقليزيّةِ والإيطاليّةِ على سبيلِ المثال، تُثيرُ عندنا قدْرًا كبِيرا مِن السّخريةِ والتّقزّزِ والشّعورِ بالمهانة. يعبِّرُ ذلك عن استنكافِنا الجمْعَ بين الإنسانِ والحيوانِ في فعلٍ لغويٍّ واحد، كأنّما العبارةُ اعتداءٌ على إنسانيّتِنا وتسويةٌ لنا بِالحيوان المسخّرِ لِخدمتِنا وتغْذيتِنا ومُتعتِنا. فمَحلّ الحيواناتِ عندنا هوَ معاجِمُ السّبِّ والقَذفِ والتّحقِيرِ. وما يلقَاهُ مِنّا الحمارُ الكادِحُ الصّبورُ ذو الذّاكرةِ الحديدِ أو الكلبُ الّذي رافقَنا وفِيّا حارِسا مُجِيرا يُفحِمُ كلَّ مُنافِحٍ لَـجُوج. ربّما يَكونُ استنكارُ هذا الجمْع اللّغويّ تعبيرا عنْ غيابِ الشّروط الحقّةِ لإنسانيّتنا وعنِ الفشلِ الفادِح في تحصِيلها على أرضِ الواقع. ثُمّ إنّ مبدأَ تسخيرِ الحيوان للإنسان قد وُظِّف أحيانا كثيرةً لِلتّمتّع بتعذيبِ الحيوان دون وجْهِ حقٍّ. حسْبُنا أن نرَى كمْ مرّةً "يَـمُوتُ" كبشُ العيد قبل أن يُذبَح ذبْحا نِهائيّا في حَضْرةِ أطفالٍ أحبّوه ثُمّ أُجبِرُوا على التّسلِّي بدمِه المسفُوك. إنّنا نُعلّمُ الطّفلَ أن يلهوَ به لا معَه، ونادِرا ما نُوعِّيه بأنّه كائنٌ حيّ يألَمُ ويتعبُ ويَخافُ ويغضبُ. هذا لأنّ "غُرورَنا البشريّ" يُعمِينا ولأنّنا نجهلُ لغتَه الّتي يَستعطفُنا بِها ويشْكُونا حالَه عبْرَها. إنّ جُثثَ الكلابِ والقططِ السّائبة الّتي "تُرصِّعُ" طرقاتِنا في مشاهدَ يوميّةٍ مُقزِّزة، تكفِي لِردْم كلِّ الْـحُفر السّطحيّة والعميقة الّتي تخترقُها. تلك هي "ميتةُ الكِلاب" الّتي يُكنِّي بِها المثلُ التّونسيّ عنِ البشرِ إذا ماتُوا في الخلاءِ والوِحدةِ والعَراءِ لا تُوارَى جثّتُهم التّرابَ ولا يُؤخَذ لهم بثأرٍ ولا تَغسلُهم دمعةُ راثٍ أو مُؤبِّنٍ أو مُتعاطفٍ أو حتّى عابرِ سبيلٍ. ² فوزيّـة الشّـطّي ² تونس: سبتمبر 2009 |
إجماليّ مرّات مشاهدة الصّفحة
2011-11-15
محاورةُ ليلى الفورجي: (رئيسة جمعيّة الرّفق بالحيوان)، تونس: 2009
كلبتي 'ديانا': تبنّيتُها في أوت 2015
الأختان 'ميما 1' و'ميما 2'، رحمهما الله.
كلبتي الشّمطاء 'علّيسة': تبنّيتُها في أوّل أسْرٍ كورونيّ 2020.
ماتت قطّتي الحسناءُ 'نعيمة' في أوت 2024 بعد أن صدمتْها سيّارةٌ غادرة في الحيّ.
مقال: تسوّلُ الأعداد: في البحثِ عن الشّرعيّة
تسـوّلُ الأعداد: في البحثِ عن الشّرعـيّة
[نُشر في "الشّعب": عدد 899، 6 جانفي 2006]
لا أظنّني سأنسى قريبا تلميذَ السّابعة أساسيّ وهو يقف قبالتي مشدوها ليسألني بأدبٍ كبير وبحيرةٍ أكبر: «أستاذة، لِمَ لا تزيدين الأعدادَ؟!». أثّرتْ فِيَّ حيرتُه الصّادقةُ، ولَم يؤثّرْ فِيَّ السّؤالُ الممجوج. فهو خبزٌ يوميّ أو يكاد، يتجنّد له الكبارُ والصّغارُ. الكلُّ يبحث عن مبرِّر مّا لهذا "التّسوّل الجديد". وكلّما كانت المسوِّغاتُ أصلبَ كانت الحصيلةُ (من الأعداد طبعا) أهمَّ. زيادةُ الأعداد صارتْ في معجم "متسوِّليها" مرادِفا للنّزعة الإنسانيّة الرّحيمة عند "الواهبين"، وهم الأساتذة. فمن زاد أكثرَ من غيره وعمّ خيرُه على المحتاجين كان أقربَ إلى مرتبة الكمالِ الإنسانيّ والمهنيّ. ويكون الاستنتاجُ الضّمنيّ لهذا التّمشّي هو: من لا يزيد الأعدادَ يُعتبَر عديمَ الرّحمة، وقد لا يكون جديرا بالانتماء إلى صنف «المعلّم الّذي يُوفَّى التّبجيلا».
لن يشفعَ لهذا المدرّس الشّحيح الموضوعِ في قفص الاتّهام تفانيه في عمله ولا نزاهتُه العلميّة ولا كفاءتُه المهنيّة، حتّى وإنِ اعترف له بذلك المتّهِمون سرّا وعلانية. ستتبخّر هذه الخصالُ سريعا بمجرّد أن يرفضَ الانخراطَ في «جمعيّة الرّاحمين الجدُد».
أساليبُ تسوّل الأعداد قد تجاوزتِ الاستعطافَ إلى الضّغط. فأحيانا يشترط التّلميذُ المشاكس اِنضباطَه في القسم، وربّما خارجَه، بقدرٍ مّا من الأعداد المزِيدة. وأحيانا أخرى يحرص بعضُ روّاد الدّروس الخصوصيّة من ضِعاف المستوى خاصّةً على أن يكونَ المالُ الّذي يدفعون مقابلا موضوعيّا للعدد الّذي يطلبون. ويتندّر التّلاميذُ حول هذا التّعاقُد الضّمنيّ بالعبارة الرّائجة: «أُعطيكَ عشرةً (من الدّنانير)، وتعطيني عشرةً (من الأعداد)».
اِستطاع تسوّلُ الأعداد أن يفتكَّ مكانا يُحسَد عليه في أسر بعضِ التّلاميذ. فما صرنا نعجبُ لمرأَى أحد الأولياء وهو ينوبُ طفلَه في هذه المهمّة الصّعبة. ستراه يتعلّل بقسوة الظّروف ومرارتها. وإن لَم تستجبْ، أيّها المدرّسُ، لطلبه المقنَّع غالبا والصّريح أحيانا تكون قد تآمرتَ ضدّه مع تلك الظّروف وتحالفتَ معها قصدا لتدمير مستقبل ابنه الدّراسيّ، أي لتدمير أمل الأسرة كلّها في النّجاة من محنة الفقر والخصاصة.
إذا لَم تنفعْ قسوةُ الظّروف لتسويغِ هذا التّسوّل لن يحارَ مجادِلُك في إيجاد البديل: إنّ امتناعَ المدرّس عن زيادة ما تيسّر من الأعداد للتّلميذ المهدَّد بالرّفت النّهائيّ لتجاوُزه السّنّ القانونيّة أو لغيره من الأسباب هو إلقاءٌ بهذا المراهق المغلوب على أمره في مأزقِ الانحراف والجُنوح. وإنْ حدث شيءٌ من ذلك سيظلّ «الأستاذُ الشّحيح» مسؤولا عن جريمته النّكراء تلك إلى يوم يُبعثون. لن تنظر عقولُ الأسرة إلى سنوات الطّيش والاستهتار وضحالة المستوى الّتي سبقت الخيبةَ الأخيرة ولو نظرا عَرَضيّا. إنّها، حسْبَهم، خيبةٌ مفاجِئة لا شأنَ لهم فيها ولا مسؤوليّةَ لابنهم عليها.
وفي السّنوات الأخيرة تمكّن هذا التّسوّلُ الجديد من أن يفتكَّ بعضَ المقاعد داخل حرَم المؤسّسات التّربويّة. فقد حدث معي منذ سنوات أنْ طلب منّي قريبُ تلميذتي، وهو زميلي في نفس المؤسّسة، «إعانةَ» ابنة أخيه لنجدتها من الرّسوب، والحالُ أنّها أحوجُ ما يكون إليه. كنتُ وقتها مبتدئةً. فحاولتُ جاهدةً إقناعَه بأنّ الرّسوبَ في مثل هذه الحالة حقٌّ وواجبٌ معا. وعندما يئس نهائيّا من استجابتي قاطعني، وألّب ضدّي بعضَ صحبه. هذا لأنّ رفْضَ طلبه يُعدّ إهانة لشخصه أوّلا وتجاوُزا لأخلاق المهنة ثانيا. إنّ لهذه «الزّمالة الجديدة» إذن حقٌّ شرعيّ مطلق في تسوّل الأعداد لذوي القُربَى!
قد يقصِدكَ، أيّها «المدرّسُ الشّحيح»، موظّفٌ في نفس مؤسّستك. فيُلفتُ نظرَك بلباقةٍ عجيبة و بأسلوب مجازيّ مدهِش إلى أحد تلاميذكَ قائلا: «هاذاكا مْتاعْنا» [لَم أستطعْ تعريبَ هذه العبارة بما يُحافظ على كثافتها الدّلاليّة]. و«مْتاعْنا» هذه تعني أنّ التّلميذَ المتسَوَّل له قريبٌ أو صديقٌ أو مجرّد مستجِير بالموظّف المذكور. وعلى المدرّس أن يدفعَ «الصّدقةَ» طلْقَ المحيّا منشرِحَ الصّدر حتّى يؤكّد تقديرَه العميقَ لِـ «الزّمالة» أوّلا و لقيمِ الأخوّة والإجارة والرّوابط العائليّة ثانيا. وإن خضع المدرّسُ للضّغط مرّةً سيظلّ مطالَبا بالخضوع مرارا. ولن يغفر له أحدٌ (من المتسوِّلين طبعا) تخلّيه عن ذاك الالتزام الضّمنيّ.
إذْ يستميتُ «التّسوّلُ الجديد» في افتكاك شرعيّةٍ مّا، يطرحُ نفسَه أحيانا بديلا أقلَّ سوءا وشراسة مِن الغشّ في الامتحان. فالغشُّ تطاوُل على المدرّس في غيبته وطعنٌ له في ظهره. أمّا التّسوّلُ فهو تذلّلٌ له في حضرته. وشتّانَ بين هذا وذاك.
تجاوز التّسوّلُ قاعات الدّرس مع مدرّس المادّة ليكتسحَ مجالَ الأستاذ المراقِب في امتحانات الأسبوع المغلق وفي الامتحانات الوطنيّة. ونخصُّ بالذّكر مِنها "الباكالوريا". فكثيرا ما يستدِرُّ الممتحَنون عطفَ المراقِبين ويسردون من الأعذار ما لا طاقةَ لنا بتصوّره أو ذِكره. لكنّ الاستعطافَ المرِن يتطوّر أحيانا، إذا ما اصطدمَ بمصداقيّة الأستاذ المراقِب وبنزاهته، إلى غضب ونقمة وعنف. وقتها يُوضَع المراقِبُ «الشّحيح» هو الآخرُ في قفص الاتّهام. إنّه لا يُقدِّر عسرَ البرنامج ولا قسوةَ فترة المراجعة، ولا هو يتفهّم نفسيّةَ التّلاميذ المرتعِدين مِن ظروف الامتحان، ولا يأخذ بأيديهم وهم يَـمرّون بمرحلة انتقاليّة مصيريّة.
خلاصةُ القول: إنْ فشِل هذا الصّنفُ من التّلاميذ في نيل الشّهادة المرجُوّة فالذّنبُ عالقٌ في رقبة الأستاذ المراقِب إلى يوم الدّين. وإن لجأ المراقبُ إلى سلطة القانون ليحميَ شرفَ المهنة من هذا الغشّ العلنيّ المفضوح كان كمنْ أهلك طفلا ساذَجا ذنبُه الوحيد أنّه يريد أن ينجح أيّا تكنِ السّبلُ إلى ذلك. وقد حدث معي مرّةً أن صارحني تلميذٌ يجتاز أحدَ امتحانات الباكالوريا، بعد أن يئس من كسْر طوْق المراقبة، بحاجاته الماسّة إلى الاستعانة ببعض زملائه. فحذّرتُه من مجرّد التّفكير في ذلك. عندها قال وقد ثبّت عينيْه في عينيّ وعلى وجهه مزيجٌ من الدّهشة والاستنكار والغضب المكتوم: «وهل أرسُبُ أنا؟!». لقد دخل قاعةَ الامتحان، وأمثالُه كثرٌ، خالِيَ الذّهن معوِّلا على "إعانةٍ" واجبة: على الزّملاء التّلاميذ منحُها بلا قيد أو شرط، وعلى الأستاذ المراقِب تسهيلُ عبورها وتأمينُه.
إنّ ما يدهِشني حقّا هو شعورُ التّلميذ الّذي خاب تسوّلُه بالضّيْم وإيمانُه الصّادق العميق بكونه ضحيّةَ قُساة القلوب من المدرّسين والمراقِبين. إنّه مقتنِعٌ بشرعيّة تسوّله اقتناعَنا بتجريمه: أي اعتباره جريمةً في حقّ التّلميذ المتعلِّم وفي حقّ رسالة التّعليم سواءٌ بسواءٍ. والبحثُ الدّؤوب عن شرعيّة مّا يدلّ على أنّ «تسوّلَ الأعداد» أصبح في مؤسّساتنا التّربويّة ظاهرةً حقيقيّة كارثيّة تزيد تراجعَ المستوى العلميّ لتلاميذنا استفحالا وتزيد ضعفَ المستوى الأخلاقيّ عندهم حدّةً.
هل مِن إجراءاتٍ قانونيّة تردع هذا «التّسوّلَ» المهِين للرّسالة التّربويّة؟ هل مِن حملاتٍ توعويّة تكشف مخاطرَه المتعاظمة على المتعلِّمين؟ هل مِن مراجعاتٍ لمقاييس الجزاء تجعل «تسوّلَ الأعداد» عبثا لاغِيا وتقطع الطّريقَ على مُشرِّعيه: أي مَن أضفوا عليه الشّرعيّةَ الوهميّة الّتي يستند إليها الآن وينمُو نُموّا سرطانيّا على أساسها؟
فوزيّة الشّــــطّي
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
