إجماليّ مرّات مشاهدة الصّفحة

2024-02-11

شعر: (قَاوِمْ)، تفعيلةُ المتقارب: (فَعُولُنْ)، 2024.02.08


قَـــــــــــــــاوِمْ

(تفعيلة المتقارب: فَعُولُنْ)

نُشر في: 'ديوان العرب 2024.02.09

الإهداء:

إلى الشّعبِ الفلسطينيّ الّذي يقاومُ شياطينَ الإنس بالنّيابة عنّا جميعا. ونحن، حكّاما وشعوبا، إمّا غافِلون أو متخاذِلون أو متواطِئون.

(1)

تَكَبَّرْ شَـمَالاً، تَوَغَّلْ جِنِينًا[1]، جَنُوبًا تَقَدَّمْ.

تَـمَدَّدْ جَلِيلاً أَرِيـحَا وَقُدْسًا، وَزِدْ.

تَقَدَّمْ، وَحَلِّلْ دُوِيرِي[2]، وَأَفْحِمْ.

تَقَدَّمْ شُوَاظًا، يَسِينًا، مَسَافَةَ صِفْرٍ

وَصِحْ بِالرِّفَاقِ: "سَلاَمًا وَأَلْفًا عَلَى مَنْ صَمَدْ".

تَقَدَّمْ، وَأَوْقِدْ بِرَتْلِ الـمَغُولِ جَهَنَّمْ.

فَمَا مَاتَ إِنْسَانُ نَاقِصَ عُمْرٍ[3].

وَلَكِنَّ نَقْصَ الكَرَامَةِ وَصْمَةُ عَارٍ

تُـمِيتُ النُّفُوسَ، تَسُمُّ كِيَانَ الوَلَدْ.             

فَقَاوِمْ.. عَدِيمَ الـمَدَدْ.

(2)

إِذَا ضَاقَ سِجْنُكَ حَتَّى الصَّخَبْ

وَشُيِّدَ بَرًّا وَبَـحْرًا وَجَوًّا

جِدَارُ أَبَالِسَةٍ مِنْ لَـهَبْ

وَضَاقَتْ عَلَيْكَ رَحَابَةُ كَوْنٍ هَـمَدْ،

تَـجِدْ رَحِمَ الأَرْضِ أَوْسَعَ صَدْرًا.

تَـجِدْهَا أَمَانًا يَقِيكَ جُنُونَ عَدُوِّ لُبَدْ

وَغَدْرَ الأَشِقَاءِ، غَدْرَ العَرَبْ.

فَثَبِّتْ لِثَامَكَ وَامْشُقْ خُطَاكَ الـحُفَاةِ الشُّهُبْ.

تَقَلَّدْ سُيُوفَكَ سِرًّا وَجَهْرًا.

وَقَاوِمْ.. حَلِيمًا مَرُدْ.

 (3)

إِذَا خَانَكَ الـجَارُ قَبْلَ الشَّقِيقِ

خِيَانَةَ مَنْ يَسْتَبِيحُ الـحِمَى وَالبَلَدْ

وَمَدَّ إِلَيْكَ ذِرَاعَ هُبَلْ[4]

وَأَغْرَقَ شِرْيَانَ غَزَّةَ حِقْدًا وَفُجْرًا

وَسَدَّ بِوَجْهِكَ وُسْعَ الطَّرِيقِ

وَجَوَّعَ شَعْبًا عَزِيزًا وَذَلْ

وَكَانَ عَدُوًّا لَئِيمًا خَسِيسًا أَلَدْ،

فَقَاوِمْ.. وَحِيدًا أَحَدْ.

(4)

إِذَا طَارَتِ الرِّجْلُ مِنْكَ جِزَافًا،

فَصَارِعْ خَصِيمَكَ بِالبَاقِيَهْ

بِكِسْرَةِ خُبْزٍ، بِحَفْنَةِ تَـمْرٍ، بِـمَاءِ السَّمَاءْ.

صَبُورًا كَأَيُّوبَ قَدْ مَسَّهُ الضُّرُّ حَتَّى الكَمَدْ،

تَرَقَّبْ تَتَارَ العُصُورِ الظَّلاَمِ.

تَرَقَّبْ وَأَنْتَ تُعِدُّ الكَمِينَ العَتَدْ.

وَقَاوِمْ كَأَنَّ القِيَامَةَ هَزَّتْ عَصَاهَا

وَسَاقَتْ حُشَودَ الوَرَى فِي لَظَاهَا.

وَقَاوِمْ.. كَأَنَّ الـحَيَاةَ أَبَدْ.

(5)

إِذَا جَفَّ حِبْرُ العُرُوقِ،

فَقَاوِمْ بِـحِبْرِ القَلَمْ.

وَقَاوِمْ صَهِيلاً كَخَيْلِ البَرَارِي الـجَمُوحِ

هَدِيلاً شَجِيًّا رَقِيقَ النَّغَمْ.

تَوَجَّعْ أَنِينًا، عَوِيلاً يُهَتِّكُ دَهْرًا أَصَمْ،

دُعَاءً يَرُجُّ ضَمِيرًا خَـمَدْ.

وَأَطِلِقْ بِصَدْرِ الأَعَادِي سَرَاحَ الكَلِمْ،

سَرَاحَ اللُّغَاتِ الرَّصَاصِ

تُـمِيتُ انْفِضَاحًا، وتُـحْيِي رَمِيمَ القِيَمْ

وَقَاوِمْ.. فُنُونًا تَشُقُّ الصَّفَدْ

وَقَاوِمْ.. نَبِيًّا جَلِيدًا جَلَدْ.

فوزيّة الشّطّي، تونس: 2024.02.08

 



[1]  نَقصد مدينةَ "جِنِين" الموجودةَ شمالَ الضّفّة الغربيّة مِن فلسطينَ المحتلّة. وهي تحتضنُ مخيّمات اللاّجئين الفلسطينيّين المهجَّرين مِن قُراهم الّتي سيطرتْ عليها العصاباتُ الصّهيونيّة أثناء نكبة 1948. مثّلتْ جِنين عقدةً نفسيّة تاريخيّة لدى هذه العصابات لأنّها ظلّتْ عَصِيّةً عن الاحتلال والتّرويض ولم تتخلَّ عن سلاحِ المقاومة إلى الآن. تعرّضت المدينةُ وخاصّة مخيّماتُها، إلى عمليّات اجتياحٍ مدمِّر ومجازرَ متلاحِقة. أشهرُها كانتْ بين 01-11 نيسان/ أفريل 2002، وآخرُها كانتْ في 2023.6.19. بعد "طوفان الأقصى" (2023.10.07)، اقتحمتْ عصاباتُ الاحتلال المدينةَ ودمّرتْ بنيتَها التّحتيّة واعتقلتْ مِنها آلافَ الفلسطينيّين.

[2]  "حَلِّلْ يَا دُوِيرِي": عبارةٌ صاح بها، يومَ 2023.12.25، مقاومٌ فلسطينيّ مِن كتائب القسّام وهو يستهدفُ بقذيفةِ TBG المضادّةِ للتّحصينات قوّةً خاصّة مِن جنود الاحتلال تحصّنتْ بأحدِ المنازل في قريةِ 'جُحرِ الدّيك' الواقعةِ جنوبَ غزّة. بهذه العبارة خاطبَ المقاومُ اللّواءَ والمحلّلَ العسكريّ الأردنيّ "فايز الدّويري" الّذي تخصّص على قناةِ "الجزيرة" القطريّة، في تحليلِ تطوّرات العدوان الصّهيونيّ على قطاعِ غزّة يوميّا ومثّل أحدَ عوامل الحرب النّفسيّة ضدّ الاحتلال. صارت العبارةُ وَسَقا (هاشتاج) نال شهرةً واسعة في مواقعِ التّواصل الاجتماعيّ.

[3]  نُشيرُ بذلك إلى آخرِ تدوينة فيسبوكيّة كتبها الطّبيبُ الفلسطينيّ الأخصّائيّ في أمراضِ النّساء والتّوليد "باسل مهدي" قبل ثلاثةِ أيّام مِن اِرتقائه شهيدا مع زميله "رائد مهدي" وهما على رأسِ عملهما يومَ 2023.11.12. وذلك إثر قصفٍ صهيونيّ وحشيّ استهدفَ مستشفى "المهديّ" الواقعِ غربَ مدينة غزّة. نصُّ التّدوينة الّتي نعى بها الشّهيدُ نفسَه هو: "ما في حدا راح يموت ناقص عمر. بس في ناس راح تموت ناقصة كرامة، ناقصة إنسانيّة، ناقصة مبدأ. خبتم. وخابت عروبتكم. ولا حيّاكم الله. ولا سامحكم الله".

[4]  هُبَل: صَنمٌ عبدتْه قُريش في الجاهليّة، يُعَدّ كبيرَ آلهتها ومِن أعظم معبوداتها. مثّل إلهَ الحرب والخصب والرّزق. والشّائعُ أنّ قريشا نقلتْه عن قبيلة "كنانة" ونَصبتْه في جوفِ الكعبة. وكان "هُبَل" على صورةِ إنسان مصنوع مِن العقيق الأحمر، كُسِرت ذراعُه. فأبدلتْها قريشٌ بذراع مِن ذهب.

نُشر في: 'ديوان العرب 2024.02.09

https://www.diwanalarab.com/%D8%AA%D9%81%D8%B9%D9%8A%D9%84%D8%A9%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8E%D8%B9%D9%8F%D9%88%D9%84%D9%8F%D9%86%D9%92

2024-01-21

شعر: (لِقَاء)، تفعيلة الوافر: (مُفَاعَلَتُنْ)، 2024.01.24

صورة مِن النّات

لِــــقَـــاء

نُشر في موقع "ديوان العربالأحد، 2024.01.21:

أُوَاعِدُنِي عَلَى الشَّايِ الـمُعَطَّرِ بِالنَّدَى

وَيَـمْضِي الوَقْتُ كُلُّ الوَقْتِ أَنْظُرُنِي

وَلاَ يَأْتِي إِلَيَّ سِوَى الصَّدَى

فَأَشْرَبُنِي حَنِينًا لاَ يَـمَلُّ إِلَى اللُّقَى

وَيَشْرَبُنِي رَحِيقُ الشَّايِ نَـخْبًا لِلرَّدَى.

فوزيّة الشّطّي تونس: 2024.01.20

نُشر في موقع "ديوان العربالأحد، 2024.01.21:

https://www.diwanalarab.com/%D9%84%D9%90%D9%82%D9%8E%D8%A7%D8%A1

2024-01-09

شعر: (قابِضُ الأرْوَاح)، تفعيلة الكامل: (مُتَفَاعِلُنْ)، 2024.01.09

الحقُّ الفلسطينيّ هو الحِملُ الّذي لا يُحني الظّهورَ المجاهِدة مهما ثقُل.

💗💞💗

نُشِر في موقع: ديوان العرب، بتاريخ: 2021.01.09

https://www.diwanalarab.com/%D9%82%D9%8E%D8%A7%D8%A8%D9%90%D8%B6%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D9%92%D9%88%D9%8E%D8%A7%D8%AD

قَابِضُ الأَرْوَاحِ

(تفعيلة الكامل: مُتَفَاعِلُنْ)

التّصدير:

«وَإِذَا الـمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا t أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لاَ تَنْفَعُ»

الشّاعرُ الجاهليّ: أبو ذؤيب الهذليّ

"يَا مَوْتُ، قُلْ لِي كَيْفَ تَطْوِي كَالرَّحَى

قِصَصًا تَـخَالُ لِـحُسْنِهَا لاَ تُقْصَمُ؟

أَبَدَ الدُّهُورِ تَـجُوسُ مَـمْشُوقَ الـخُطَى

لاَ يَسْكُنُ لَكَ خَاطِرٌ، لاَ تَسْأَمُ"؟

فَرَكَ العَصَا، وَأَجَابَنِي مُتَبَسِّمًا

قَدْ يَبْسِمُ العَادِي وَقَدْ يَتَرَنَّـمُ:

"إِنِّي الوَكِيلُ عَلَى الوَرَى مُذْ طُرِّدُوا

أَرْوَاحُكُمْ عِنْدِي وَدَائِعُ تُؤْثِـمُ

خَفَّفْتُ عَنْ ظَهْرِ البَسِيطَةِ حِـمْلَكُمْ

إِنَّ الزِّحَامَ كَرِيهَةٌ بَلْ مَنْقَمُ

وَإِذَا الـخَلِيقَةُ أَوْقَدَتْ أَثْآرَهَا

كَانَ التَّفَانِي فِي الوَغَى وَالـمَغْنَمُ

أَجْنِـي ثِـمَارًا مَا أَلَذَّ قِطَافَهَا!

هَذِي السَّفَاهَةُ لِلْفَنَاءِ الـمَنْجَمُ

وَإِذَا اشْتَهَيْتُ طَرَاوَةً وَعُذُوبَةً

أَنْشَبْتُ أَظْفَارِي بِـمَهْدٍ يَـحْلُمُ

زَهْرُ الفُتُوَّةِ لُعْبَتِـي وَصَبَابَتِـي

أَرْمِي الـمَنَاجِلَ تَـحْصِدُ مَا تَرْحَمُ

طَوْرًا أُجَنْدِلُ مِنْ جَبَابِرَةِ الدُّجَى

حَتَّى يَكُونُوا عِبْرَةً تُسْتَعْظَمُ

حِينًا أُنَـجِّي البَائِسِينَ مِنَ الـضَّنَى

مَا نَفْعُ أَرْوَاحٍ سَبَاهَا العَلْقَمُ؟!

فِي صَوْلَتِي حِكَمٌ تُكِلُّ عُقُولَكُمْ

مَهْمَا بَدَا أَنَّ الرِّمَايَةَ تَظْلِمُ

هَذَا نِدَاءٌ عَاجِلٌ يَهْتِفُ بِي

سَأَعُودُ لَـمَّا يُسْتَطَابُ الـمَقْطَمُ [1]".

قُلْتُ وَقَدْ شَبَّ الـجَلِيدُ بِأَضْلُعِي:

"فِي كُلِّ جَبَّارٍ كُعُوبٌ [2] تُهْزَمُ

'هَزَمَتْكَ، يَا مَوْتُ، الفُنُونُ جَـمِعُيهَا[3]

قَلَمَتْ مَـخَالِبَكَ القَوَافِي الـمِرْجَمُ [4]".

فوزيّة الشّطّي، تونس: 2024.01.07



[1]  الـمَقْطَمُ: مصدرٌ ميميٌّ مِن: قَطَمَ، يَقْطِمُ، قَطْمًا الشَّيْءَ: عَضَّهُ، قَطَعَهُ، قَضَمَهُ بِأَطْرَافِ أَسْنَانِهِ.

[2]  كُعُوبٌ: جمعٌ مفردُه "كَعْبٌ". نشيرُ به إلى"كَعْبِ أَخِيل" الّذي صار مصطلحا يُسمّي نقطةَ الضّعفِ الـمُميتةَ في أيِّ كائنٍ قويّ. "أخيل" Achille هو بطلٌ أسطوريّ في حربِ "طَرْوادَة" Troie الّتي صوّرتْها "إلياذةُ" Iliade الشّاعرِ الإغريقيّ "هوميروس" Homèreغمرتْه أمُّه "ثيتيس" Thetis حوريّةُ البحر الخالدةُ، في نهرِ "ستيكس" Styx المقدّسِ وهي تمسكُه بحرصٍ مِن عَقِبِه. فصار كلُّ جسدِه عدا الكعبَ محصَّنا ضدّ الموت. قَتله "باريس" Pâris ابنُ ملكِ طروادة، بسهمٍ أصاب كعبَه الفاني.

[3]  هذا تضمينٌ لعبارةِ الشّاعر الفلسطينيّ الرّاحل محمود درويش الّتي جاءتْ في ديوانه "الجداريّة".

[4]  الـمِرْجَمُ: صِفةٌ مِن رَجَمَ، يَرْجُمُ، رَجْمًا. "لِسَانٌ مِرْجَمٌ": قَوَّالٌ، كَثِيرُ القَوْلِ حَسَنُهُ، "رَجُلٌ مِرْجَمٌ": شَدِيدٌ قَوِيٌّ، "فَرَسٌ مِرْجَمٌ": شَدِيدُ الوَطْءِ كَأَنَّهُ يَرْجُمُ الأَرْضَ بِـحَوَافِرِهِ.

2023-12-31

مقال: (حوارُ الأضدَاد)، ديوان العرب، 2023.12.30


 صورة مِن النّات

نُشر في مجلّة 'برشلونة الأدبيّة2024.01.16
https://www.barcelona-adabia.es/2024/01/blog-post_29.html?sc=1743772261708#c7526573004354870656

💔💗💔

t حوارُ الأضْدَاد t

نُشر في موقع: 'ديوانُ العرب2023.12.30

https://www.diwanalarab.com/%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B6%D9%92%D8%AF%D8%A7%D8%AF

في حديقةِ القصر الرّيفيّ المطِلّ على البحر، اِسترخى الضّميرُ العالميّ على أريكةِ الجلد الفاخرةِ المبطَّنةِ بريش النّعام. فتح أزرارَ بدلته الباريسيّة، أشعل سيجارَه الكوبيّ، شرع يترشّف قهوةً برازيليّة عَطّرها الهيلُ الهنديّ، نفض الغبارَ مِن على حذائه الّذي قُدّ مِن جلد تمساحٍ أفريقيّ، تفقّد ربطةَ العنق متلذِّذا بملمسِ الحرير الصّينيّ. ثمّ رفع بصرَه متثاقلا إلى الحقِّ الفلسطينيّ الواقف قدّامَه منذ وقتٍ غيرِ معلوم. تأمّل ثوبَه الرّثّ باستهانة، أجال بصرَه في قدميْه الحافيتيْن المشقّقتيْن، نظرَ في وجهِه الّذي عفّره غبارُ القنابل القذرة، منحَ طرفةَ عين لشَعرِه الملبَّد بالوحل، تمعّن في قامتِه الفارعة وعُودِه المصلوب على نحافته.

وأخيرا سأل الضّميرُ بلهجةٍ جافّة جفافَ سرابِ الهواجر وهو يُشِيح بوجهِه نحو الأفق:

-     مَن تكون، يا هذا؟ وكيف تجرؤ على أن تقتحمَ خَلوتي دون إذني؟

تبسّم الحقُّ الفلسطينيّ قبل أن يُجيبَ بنبرةٍ هازئة عاتية لا يُعرَف فيها الغضبُ مِن الرّضى:

-     أنا الحقُّ الّذي يراه كلُّ ضمير حيّ وتعمَى عنه بصائرُ الأفّاقين الآثمين الفُجّار. لقد اقتحمتُمْ، وما زلتمْ، أرضي وبيتي وهوائي وسمائي وأحلامي وكوابيسي... منذ خمسةٍ وسبعين عاما دون استئذان ودون أن تجدَ حمرةُ الخجل إلى وجوهِكم سبيلا. فكيف تستكثر عليّ تكديرَ إحدَى خَلْواتك بضعَ دقائق؟!

صمتَ الضّميرُ العالميّ برهةً كي يستوعبَ الصّدمةَ ويتعدّاها بأمان. ثمّ استخبر ثانيةً بحسٍّ بوليسيّ مُوارَب:

-     مَن سمح لك بالدّخول عليّ؟

أجاب الضّيفُ بلهجةِ التّحدّي الرّصين الّذي يستفزّ الخصمَ بقدر ما يكسر مجاديفَه:

-     ألمْ تعلمْ أنّ الحقَّ يخترق الأبوابَ الـمُوصدة وأنْ لا بوّابَ يُوقف زحفَه الجارف؟!

تصاممَ الضّميرُ سعيا إلى تقصيرِ الحوار الثّقيلِ على قلبه المربِكِ لعقله. ثمّ سأل متصنِّعا الهدوءَ والـجِدَّ والحزْم:

-     والآن، ما تريدُ منّي؟ ما الّذي أتى بك إليّ؟

دنا الحقُّ الفلسطينيّ خطوةً مِن الخصمِ المتمترسِ خلفَ جدار التّجاهل قبل أن يردَّ حاسما كالسّيف:

-     أريدُ دمِي المفسوحَ أنهارا، أريدُ طفولتي المشوَّهة باليتمِ والرُّعب والحرمان، أريدُ شبابي المكبَّلَ بلعناتِ الأسر والتّعذيب والمحق، أريدُ زيتوني المعمِّر، أريد برتقالي الحزينَ، أريدُ تاريخي المزوَّر، أريد ثأرَ الأجيال الشّهيدة، أريد بُراقِي وأقصايَ وقيامتي، أريدُ غيومَ الجليل وشواطئَ غزّة وعذوبةَ طبريّا، أريد ميناءَ عروس البحر يافا، أريدُ أزقّةَ القدس القديمة... باختصار أريدُ وطني المسروقَ منّي في وضَحِ النّهار بقوّةِ الحديد والنّار.

تململ الضّميرُ في أريكته الوثيرة، نفضَ رمادَ سيجاره، أخذَ رشفةً مِن القهوة الباردة، تلفّت يمينا ويسارا كالباحث عن المدد. ثمّ قال باستعلاءٍ متأمْرِك:

-     على رسْلك، يا هذا! لقد صدّعتَ رأسي، وأفسدتَ مزاجي، وضيّعتَ وقتي الثّمين هدرا. ما دخلي أنا في ما تريد؟ لِـمَ تحمّلني وِزرا لا أُطيقه وذَنبا ليس ذنبي؟ ألم ترَ كمْ أنا مشغولٌ صباحَ مساءَ بردِّ الحقوق إلى أصحابها؟ إذنْ، لو رأيتُ لك حقّا يُذكَر لكنتُ أعدتُه إليك صاغرا رغم أنف المعتدِين.

اِرتسمتْ على محيّا الحقِّ الفلسطينيّ ابتسامةٌ مبهَمة ملثَّمة ماكرة قبل أن يقول:

-     أمّا الوِزرُ فهو أثقلُ مِن جِرْمِك المتهافت. وأمّا الذّنبُ فهو أعظمُ مِن وُسْعِك الضّيّق. وأمّا الحقُّ فقد تأبّط شرّا وارتحل عن ديارك بلا رِجعةٍ.

قال ما قال. ثمّ اختفى فجأةً كالأشباح. تَردّد في المكان صدى كلماته مدوِّيا يكاد يصُمّ الآذان. بيد أنّ ذلك لم يصرفِ الضّميرَ العالميّ المتثائب عن أن ينفُثَ سُحبا مِن الدّخان وهو يتنفّس الصّعداءَ حامدا اللهَ على نِعَمِ العمَى والصّمَم والبُكم.

فوزيّة الشّطّي، تونس: 2023.12.29