إجماليّ مرّات مشاهدة الصّفحة

2017-02-28

إلى الرّأي العامّ التّربويّ التّونسيّ: الفصلُ السّابعُ: العامِلةُ المُعتدِيَةُ

              وزارة التّربية                                  تونس في: 2017.02.13
المندوبيّة الجهويّة للتّربية تونس 1                                        
تقريرٌ إلى السّيّد المندوب الجهويّ للتّربية بتونس 1،
عن طريق السّيّد مدير معهد قرطاج حنّبعل،
بعد التّحيّة والسّلام،
إنّي الممضيةَ أسفله: أستاذة العربيّة فوزيّة الشّطّي المباشِرة بمعهد قرطاج حنّبعل،
أرفع إليكم هذا التّقريرَ في شأن عاملةِ النّظافة بالمعهد المذكور السّيّدةِ «م.ج». وذلك للأسباب التّالية:
1-   يومَ الجمعة [2017.02.03] عند منتصف النّهار: بمجرّد أنْ خرج تلاميذُ القسم [2 آداب 1] من القاعة [عدد 06]، اِقتحمتْ عاملةُ النّظافةِ المذكورةُ قاعتي دون استئذان بينما كنتُ ما أزال أمحو السّبّورةَ ولم أجمعْ أدواتي بعدُ. دَفعتْ بابَ القاعة دفعا عنيفا بمكنستها الخشبيّة. ووَضعتْ سلّةَ المهملات الحديديّة فوقَ طاولةِ التّلاميذ المقابلةِ لطاولتي تماما. ثمّ شرعتْ تتظاهرُ بأنّها تكنسُ القاعة، والحقيقةُ أنّها كانتْ تضربُ أَرْجُلَ الطّاولاتِ والكراسي بمكنستِها وتُثيرُ الغبارَ في فضاء القاعة ولا تجمعُ مِن الأوساخ إلاّ القليلَ.
تَعمّدتُ ألاّ أُكلّمَها لأنّي كنتُ مريضةً مرهقةً. لكنّي نظرتُ إليها طويلا قبل أنْ أُنهيَ جمعَ أدواتي وأغادرَ قاعتي.
2- يومَ الجمعة [2017.02.10] بعد الثّامنة صباحا: شرعتُ أدرّسُ تلاميذَ [2 آداب 2] بالقاعة [عدد 17]. وتركتُ البابُ نصفَ مفتوحٍ لأنّي أرسلتُ التّلميذَ المسؤولَ كيْ يجلبَ دفترَ المناداة. جاءتْ عاملةُ النّظافةِ المذكورةُ بمكنستِها وسلّةِ مهملاتها. وقفتْ في باب القاعة بالضّبط. أطلّتْ برأسِها إلى الدّاخل. تظاهرتْ بأنّها تتفقّدُ نظافةَ القاعةِ [أَلمْ تكنْ تعلمُ إنْ كانتْ نظّفتْ هذه القاعةَ أمْ لا؟!]. نظرتْ إليَّ شَزْرًا بضعَ ثوانٍ. ثمّ غادرتْ. لمْ أكلِّمْها هذهَ المرّةَ أيْضا احتراما لوجود التّلاميذ معنا ولأنّي أدركتُ أنّها دخلتْ مرحلةَ الاستفزازِ العدوانيّ الممنهَج وأنّ الصّدامَ معها آتٍ لا محالةَ.
3-   يومَ الجمعة [2017.02.10] عند منتصف النّهار: كنتُ أدرّسُ قسمَ [2 آداب 1] في [عدد 06]. اِلتفَّ حول طاولتي عدّةُ تلاميذ يسألُونني عن مسألةٍ لغويّة. ما راعني إلاّ وعاملةُ النّظافة المذكورةُ قد اقتحمتْ قاعتي للمرّةِ الثّالثة، وشرعتْ تُحدث ضجّةً عنيفةً أكثرَ مـمّا تُنظّف فعليّا. دعوتُ جميعَ التّلاميذ إلى مغادرة القاعة. ففعلُوا. ثمّ قلتُ للعاملة بهدوءٍ وقدْ صرنا وحدَنا: «لا يحقُّ لك دخولُ القاعة ما دمتُ فيها. عملُكِ يبدأُ بعدَ أنْ أُنهيَ عملي». صرختْ في وجهي لأنّها كانتْ تنتظرُ بكلِّ شوقٍ فرصةَ الهجوم، وتوقّفتْ عن الكنْسِ، وقالتْ وهي تواجهني متّكئةً على مكنستِها: «ما سْـمَعتنِيشْ كِي دَقِّيتْ البابْ؟! مَانِيشْ نِخْدِمْ عَنْكْ، يالاَّ! مَلاَّ هَمّْ هَاذِي!». أعادتْ هذا الكلامَ ونحْوَهُ عدَّةَ مرّاتٍ رافعةً عقيرتَها بالصّياحِ حتّى لفتتْ أنظارَ بعضَ التّلاميذ الواقفين أمام القاعة المجاورة. عندَها طردْتُها قائلةً: «اُخْرُجِي مِنْ قاعَتِي! مَا أقَلّْ حْيَاكْ!». فتقدّمتْ نحوي بضعَ خُطواتٍ وهي ترفعُ مِكنستَها في الهواء في هيئةِ تهديدٍ بالاعتداءِ الماديّ. ربّما توهّمتْ أنّي سأرتعبُ وأفرُّ بجلدي مِنْ أمامها. لكنّي ظللتُ واقفةً عندَ طاولتي. وأعدتُ لها الأمرَ بمغادرة قاعتي. يئستْ مِنْ مواصلةِ هجومها الثّالث. فغادرتْ وهي تضربُ أثاثَ القاعة بمكنستِها وتدفعُ البابَ بسلّة مهملاتِها. ودخلتْ القاعةَ المقابلةَ متظاهرةً بتنظيفها [هي قاعةٌ شاغرةٌ منذ السّاعة 11. فلماذا لم تبدأْ بتنظيفها قبل اقتحام قاعتي؟!].
سرعانَ ما غادرتْها القاعةَ الشّاغرةَ، ونزلتْ الدّرجَ وهي تسبُّ وتلعنُ وتُهدّد بكلام كثير لم أتبّنْ أغلبَه بسببِ فوضى التّلاميذ في الممرّ. سمعتُ منه: «آشْبِيهَا عليَّ، الهمّْ هَاذِي؟! مَانِيشْ نِخِدِمْ عَنْدكْ! آشْ حَاسْبَا رُوحِكْ؟!». أيْ إنّها تمارسُ عليَّ شتّى أصنافِ الاعتداء، ثمّ تُسارعُ بدهاءٍ مدروسٍ إلى لَعِبِ دورِ الضّحيّةِ الممنوعةِ مِن أداءِ عملِها!
وقدْ ندمتُ كثيرا لأنّي سارعتُ بإخراج تلاميذي. كان عليَّ أنْ أُبقيَهم ليكونُوا شهودا على هذا الاعتداء.
بعدَ دقائقَ قصدتُ مكتبَ الضّبط كيْ أطلُبَ مقابلةَ السّيّد مدير المعهد لآخُذَ اسمَ العاملةِ. فوجدتُها هناك تشكُو وتتظلّمُ، وتأكّدْتُ أنَّ المديرَ في اجتماعٍ. فغادرتُ المعهدَ.
4-   للتّذكير: كنتُ قطعتُ صلتي نهائيّا بهذه العاملةِ في منتصف السّنة الدّراسيّة الفارطة بعدَ أن أقْحَمتْ نفسَها بلا استئذانٍ ودون وجهِ حقّ وبأسلوبٍ بذيء جدّا في مقابلةٍ لي مع وليّةِ أحد تلاميذي تربطُها بها صلةٌ مّا. تَحَامَى ضديّ وقتَها خمسةُ أشخاص [التّلميذُ المعاقَب + أخوه الأكبرُ منه سنّا + أمُّه + عاملةُ النّظافة هذه + عاملٌ آخر لا أستحضرُ اسمَه تمّتْ نقلتُه إلى مؤسّسة أخرى].
5-  عُرفتْ هذه العاملةُ بالتّهاوُنِ المتعمَّد في أداء مهمّتها. وقد اشتكاها بعضُ الأساتذة شفويّا عندما كانتْ مكلّفةً بتنظيف دورة المياه الخاصّة بنا. وعلِمتُ أنّ مديرَ المعهدِ السّابقَ قد اشتكاها كتابيّا إلى المندوبيّة أيضا.
سيّدي المندوب الجهويّ،
رغمَ أنّي أجهلُ الدّوافعَ الحقيقيّة لهذا الاعتداء المتكرّر، فإنّي أجزمُ بأنّ عاملةَ النّظافةِ المذكورةَ تقتحمُ قاعتي متعمِّدةً وتخطّطُ عن سبْقِ الإضمار والتّرصّد للاعتداءِ عليّ معنويّا ولفظيّا وماديّا. والأدلّةُ على ذلك كثيرةٌ. منها:
أ‌-           يُحجِّرُ القانونُ على أيٍّ كانَ دخولَ قاعةِ الدّرس إلاّ بإذنِ المدرّس أو بطلبٍ منه. فكيف يحقُّ لِعاملةِ النّظافة المذكورةِ أن تقتحمَ قاعتي وأنا فيها وحدي أو صحبةَ تلاميذي، والحالُ أنّها لم تُنظِّفْ بعدُ عديدَ القاعات الشّاغرة، مِنْ ذلك القاعة [عدد 05] الّتي تقابلُ قاعتي تماما والّتي تصيرُ شاغرةً كلَّ جمعةٍ منذ الحاديةَ عشرَ صباحا؟!
ب‌-      ينتهي تنظيفُ القاعات، قانونيّا، في مرحلةٍ أُولَى قبل انطلاقِ الدّروس [أيْ قبل الثّامنة صباحا] ويبدأُ في مرحلةٍ ثانية بعد انتهاءِ الدّروس [أيْ بعدَ منتصفِ النّهار أو الواحدةِ بعد الزّوال]. فما الّذي أتى بعاملةِ النّظافة المذكورةِ بعد الثّامنةِ صباحا وأثناءَ إنجاز الدّرس؟! ومنْ أباحَ لها دخولَ قاعات الدّرس قبل خروجِ الأساتذة منها؟!
ت‌-      لم يَسبِقْ لعاملةِ النّظافة المذكورةِ أن اقتربتْ منّي أو مِن قاعتي منذ أنْ قطعتُ صلتي بها منتصفَ السّنة الدّراسيّة الفارطة. لذا أتساءلُ: ما الّذي حدثَ حتّى تنفجرَ ضدّي فجأةً؟! وكيفَ اقتنعتْ بِأنّ مثلَ هذا الاعتداءِ المتكرّرِ المنظَّمِ السّافرِ على كرامةِ الأستاذة وعلى حُرمةِ قاعات الدّرس يمكنُ أن يَـمُرَّ مرورَ الكرام؟!
ث‌-      أمْضيتُ عشرين عاما [20] في التّعليم الثّانويّ، قدّمتُ خلالها عديدَ الشّكاوَى والتّقارير. لكنّي تَجنّبتُ دائما التّصادمَ مع العَمَلةِ مُراعاةً لوضعهم المهنيّ الهشّ في أغلبِ الأحيان، وتنازلتُ عن تجاوزاتهم البسيطة حتّى لا يلعبُوا دورَ الضّحيّة ويزعُموُا لأنفسِهم أنّي أستغلُّ ضعفَهم الاجتماعيَّ والعلميَّ والمهنيّ. لكنْ ما اقترفتْهُ عاملةُ النّظافةِ المذكورةُ يتجاوزُ كلَّ حدودِ التّسامح والتّغاضي والتّنازل.
على أساسِ ما سبقَ سردُه: أتمسّكُ بحقّي في تتبُّعِ عاملةِ النّظافة المذكورةِ قانونيّا وقضائيّا، وأُطالبُ بـمُحاسبتِها حسْبَ التُّهمِ التّاليةِ:
1-            الاستفزازُ المتعمَّدُ والإهانةُ المتكرّرةُ لشخصِي دون مُوجبٍ.
2-            اِقتحامُ قاعاتِ درسي دون وجهِ حقٍّ.
3-            الاعتداءُ المعنويُّ واللّفظيُّ عليَّ أثناءَ أداء عملي.
4-            التّهديدُ بالاعتداءِ الماديّ مُستعينةً بالمكنسةِ.
أرجُو أنْ يلقَى تقريري هذا العنايةَ الّتي يستحقُّ حتّى لا تصيرَ العاملةُ المعتدِيةُ فوقَ القانونَ.
ثقتي في نزاهتكمْ وحيادِكمْ لا تشوبُها شائبةٌ
ولكمْ جزيلُ الشّكر وسديدُ النّظر
أستاذة العربيّة : فوزيّة الشّطّي
الإمضــــــــــــــــــــــــاء
تونس في: 2017.02.13: ..................................


2016-11-06

الانحِطاطُ الحضاريّ كُلٌّ لا يكادُ يتجزّأ


الانحِطاطُ الحضاريّ كُلٌّ لا يكادُ يتجزّأ
[نُشر في: ديوانُ العرب، 2018.04.18]

http://www.diwanalarab.com/spip.php?article49631
أَسْهَمَ العربُ في الاخْتراعاتِ العِلميّةِ إسْهامًا جَلِيًّا عندما كانتْ حضارَتُهم قوِيَّةً مَنِيعة مُنفتِحة. وهَزُلت اختراعاتُهم لـمَّا ضعُفتْ حضارتُهم وتفكّكتْ وانغلقتْ. لِـماذا؟
يُثبتُ التّاريخُ الإنسانيّ أنّ العربَ المسلمون قد أسهموا في الاختراعات العلميّة إسهاما ضخما عندما كانتْ حضارتُهم قويّة منيعة منفتحة. أمّا عندما آلتْ هذه الأخيرةُ إلى الضّعف والتّفكّك والانغلاق فقد هزلتْ اختراعاتُهم حتّى كادتْ تغيبُ. فمَا أسبابُ ذلك؟
لـمّا مدّ العربُ المسلمون سلطانَ حضارتهم في ربوعٍ شاسعة اكتسبُوا مناعةً وثِقة في الذّات جعلتْهم لا يخشوْن الآخرَ، إنّما يتعايشون معه ويتعلّمون منه. لذا نشِطت العلومُ والفنونُ والصّنائعُ في عصرهم. فتراكمت المعارفُ. وكانت الاختراعاتُ العلميّة حصيلةً طبيعيّة للبحث العلميّ المتشعّب الدّؤوب. ولأنّ العربَ كانُوا حينَها في موقع قوّةٍ سياسيّا وعسكريّا وثقافيّا فإنّهم استثمرُوا نبوغَ علمائهم وزوّدوهم بما يحتاجون من مالٍ وأدواتِ عملٍ. زدْ على ذلك أنّهم استقطبُوا الأدمغةَ من الحضارات المجاورة (كالفرس والرّوم..) مانِحين إيّاهم ظروفَ البحث العلميّ الملائمةَ. وهذا شأنُ كلّ حضارة قوِيتْ شوكتُها ومنُعتْ ضدّ الأعداء وانفتحتْ على الآخر. إذْ تصبِح فضاءً رحبا للإبداع العلميّ والفنّيّ على حدٍّ سواء.
لكنْ عندما ضعفُت الحضارةُ العربيّة الإسلاميّة وتفكّكتْ أوصالُها وانغلقت في وجه الوافدين والمجدّدين، تقلّص مجالُ البحث العلميّ أو انعدم. فصارتْ هجرةُ الأدمغة نزيفا حادّا يُفرغ بلدانَنا من ذوِي الموهبة الفذّة لينتفعَ بهم المنافسون والخصومُ والأعداء. وتكمنُ علّةُ هذا النّزيف في أنّ هؤلاء لا يجِدون في بيئتهم الأصليّة ما يسمحُ بالبحثِ العلميّ وتصنيعِ الاختراعات وترويجِها. فيرحلون إلى حيثُ الحفاوةُ والتّشجيعُ وحسنُ الجزاء والأبوابُ المشرعَة. والواضحُ أنّ الحضارةَ الّتي يصيبُها الوهنُ والانحلالُ والتّفسّخُ تميلُ عادةً إلى الانغلاق على ذاتها رغبةً في إنقاذ ما يمكن إنقاذُه من خصوصيّاتها. وهكذا تنقطعُ صلتُها، أو تكادُ، بركْبِ العلومِ السّائر دوما إلى الأمام بلا توقُّف. حتّى إنّها تخسرُ مستقبلَها دون أن تستطيعَ حمايةَ ماضيها. فالقاعدةُ التّاريخيّة تؤكّد أنّ مَن لا يتقدّمُ فهو يتأخّرُ. بسببِ هذه العِلل المتشابكة صِرْنا عالةً على الحضارات المنتجةِ للعلوم: نستهلكُ ما لا نُنتجُ، ونحصِدُ ما لا نزرعُ، وندفعُ ثمنَ المنتوجات العلميّة أضعافا مضاعفةً.
نستنتجُ من هذه المقارنة الضّدّيّة أنّ العلومَ، تماما كالفنون، هي جزءٌ لا يتجزّأ من الكيان الحضاريّ الحاضنِ: تُثمِرُ كلّما خَصِب، وتَضْمُرُ كلّما أجْدَبَ. فالعلُومُ تقتاتُ من باقي المجالات بقدْرِ ما تُثريها.
فوزيّة الشّطّي
تونس في: 2016.10.30

2016-11-05

مقال: (أيّام قرطاج السّينمائيّة: ضدّ الاغتيال)، 2016.11.05


معلّقة الدّورة الخمسين، صورة مِن النّات

أيّامُ قرطاج السّينمائيّة: ضدّ الاغتيال، 2016.11.05
لماذا انهالَ فجأة (2016.11.02) لقبُ 'فارس' على مدير "أيّام قرطاج السّينمائيّة"، والحالُ أنّ هذه الدّورة كارثيّةُ التّنظيم مختلّةُ البرمجة خائنةٌ للهويّة العربيّة الإفريقيّة مع سبْق الإضمار والتّرصُّد، سادَ فيها امتهانُ الضّيوف والجمهور والفنّ السّينمائيّ على حدّ سواء؟!
- أوّلا: لأنّ 'فارس' الفرنكفونيّة الاستعماريّة قد ألغى اللّغةَ العربيّة الفُصحى من مطويّة البرنامج دون وجه حقٍّ، فارضا فرنسيّةَ أسيادِه وأولياء نِعمته، مُغازِلا إنقليزيّةَ الإمبرياليّة الأمريكيّة. هكذا وجدْنا عديدَ الضّيوف العرب الّذين لا يقرؤون الفرنسيّةَ تائهين بحثا عن الأفلام والقاعات لأنّ إدارةَ النّسخة الهزليّة من "كَانْ" لم تقرأْ لهم حسابا. ومِن فضائح هذه المطويّة أنّ عنوانَ الفيلم السّوريّ "منازلُ بلا أبوابٍ" قد تُرجم بكلّ وقاحة: ABWAB MANAZIL BELA.
قانونيّا: مطويّةُ البرنامج مخالفةٌ للدّستور التّونسيّ الّذي يَنصّ على أنّ العربيّةَ هي اللّغةُ الرّسميّة للجمهوريّة التّونسيّة الثّانية. لذا، أيّها 'الفارسُ'، لك أن تفرضَ فرنسيّتَك هذه لوْ كنتَ مديرا لمهرجان "كَانْ" السّينمائيّ أو ما شابهَ. أمّا "أيّامُ قرطاج السّينمائيّة" فهي عربيّةُ الرّوحِ واللّسان والانتماء رغم أنفِ المنْبتّين الانتهازيّين المأجورِين جميعِهم.
- ثانيا: لأنّ 'نخبةً' من المافيا الثّقافيّة في تونس تسعى إلى الاستيلاء على أقدمِ مهرجانٍ سينمائيّ في أفريقيا بمحاولة سَحْبِ البساط من وزارة الثّقافة وتسليم 'الغنيمة' إلى "جمعيّة" (مشبوهة مئة بالمئة). أمّا التّعليلُ المقنَّعُ فهو الحرصُ على الاستقلاليّة الإداريّة والماليّة للأيّام. وأمّا الغايةُ الأبعدُ فهي القضاءُ على الهويّة العربيّة والإفريقيّة الّتي على أساسها بنى المرحومُ "الطّاهر شريعة" مشروعَه. والدّليلُ على 'المؤامرة' إغراقُ برنامج هذه الدّورة بالأفلام الغربيّة (بعضُها لا يستحقّ مجرّدَ الذّكر. فكيف بالعرضِ في مهرجان عريق؟!) أغلبُها من فرنسا، وبعضُها من بلجيكا وكندا وفنلندا وألمانيا وإنجلترا وبولونيا والدّانمارك وهولاندا ورومانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة.
تعملُ المافيا الثّقافيّةُ على قدمٍ وساق كيْ تُصيِّرَ "أيّام قرطاج السّينمائيّة" سوقا تجاريّا مُربحا للأفلام الغربيّة الرّديئة تزيّنُ واجهتَه بعضُ الأفلام العربيّة 'المطبِّعة' والإفريقيّة 'المهادِنة'. إنّ مهرجانا يحتفي بالسّينما النّضاليّة التّحرّريّة كفيلٌ بإزعاج الغربِ الصّهيونيّ الحريص على تصديرِ فائض الإنتاج من السّموم 'الثّقافيّة' نحو 'عالمٍ ثالث' يجبُ أنْ يظلّ في انحدارٍ دائم إلى أسفل السّافلين.
مِن أجل ذا يُتوَّج 'الفرسانُ': تخريبُ القليلِ الّذي صَمدَ مِن المنارات الثّقافيّة الوطنيّة والإقليميّة كيْ لا تبقَى حجرَ عثْرةٍ في طريق الاجتياح اللاّثقافيّ.
🌻 ملاحظة:
الفيلمُ الفائز بالتّانيت الذّهبيّ هذه الدّورةَ ليس له من الهويّةِ التّونسيّة إلاّ الجنسيّةُ. أمّا اللّغةُ الغالبةُ على السّيناريو فهي الفرنسيّة، وأمّا مكانُ التّصوير فهو الكندا. ولو لمْ يكن «زينبُ لا تُحبّ الثّلجَ» فرنكفونيّا روحا ودما لَـما حاز جائزةً كان يجبُ أن تُسْندَ بجدارةٍ واستحقاق إلى أحد هذيْن الفيلميْن: المصريّ «اشتباكٌ» أو الفلسطينيّ «3000 ليلة». ولكنّ اللّجنةَ خضعتْ، على ما يبدُو للإملاءات أو الإغراءات خضوعا يتعارضُ مع مهمّتها الرّسـميّة: وهي الانتصارُ القاطعُ لجماليّةِ الفنّ السّينمائيّ أوّلا وأخيرا.
فوزيّة الشّطّي، تونس: 2016.11.05
🌻🌼🌻

2016-09-23

القُوّاتُ الحاملةُ للسّلاح والحقُّ الانْتخابيّ

القُوّاتُ الحاملةُ للسّلاح والحقُّ الانْتخابيّ
أرفضُ رفضا قاطعا منْحَ حقِّ التّصويت لحاملي السّلاح، لا 'شـماتة' بهم أو استنقاصا من مُواطَنتهم. إنّما ذاك مِن بابِ الحرص على سلامتهم الشّخصيّة وعلى استقلاليّتهم المهنيّة وضمانا للسّلمِ الأهليّ المهدّدِ إلى أجلٍ غير مسمًّى وللمصلحةِ الوطنيّة العليا في ديمقراطيّةٍ ناشئة عليلة لم تكتسبْ بعدُ أيَّ مناعة تحميها من الهزّات والنّكسات.
كيف لأعوانِ الجيش الوطنيّ، مثلا، أنْ يشاركُوا في الاقتراع وهم المشرفون ميدانيّا على سير العمليّة الانتخابيّة؟! هم المكلّفون بحماية مراكز الاقتراع ومراكز الفرز وبنقل الصّناديق الحاويةِ لبطاقات الاقتراع ومحاضر الفرز وما يتبعهما من ملفّات. وكيف نأمنُ على المؤسّسة الأمنيّة، وهي الّتي تُكابِد جهازا داعشيّا موازيا ينخرُها نخرا، من التّمزّق والتّصدُّع والتّناحر الدّاخليّ بسبب التّسيّس العلنيّ والتّحزّب المفرَط؟!
لقد رأينا ما جنتْه 'التّعدُّديّة النّقابيّة' على الأمنيّين وعلى البلاد من تنافسٍ مُخيف (لكونه مسلَّحا) ومن عصيانٍ للسّلطة التّنفيذيّة ومن فرضِ ترقيات غير مستحقّة، وهو أمرٌ يتعارضُ مع مبادئ العدل والمساواة في المجال المهنيّ. لقد فُرِض بالقوّة ما لم يُجِزْه قانونُ الوظيفة العموميّة.
ثمّ إنّ 'الحقَّ في الاقتراع'، إنْ أقرّه 'مجلسُ نُوّاب الشّعب'، سيفتح بابَ الجدال ثانيةً حول حقّ هذه الفئات الاستثنائيّة الحاملةِ للسّلاح والمؤتـمَنةِ على أمْنِ العباد والبلاد في التّرشّح للمناصب السّياسيّة وفي القيام بحملات انتخابيّة وفي الدّخول ضمن تحالفات حزبيّة مّا... هذا لأنّ ممارسةَ 'الحقّ الانتخابيّ' ذاتُ وجهيْن متلازميْن: الحقُّ في الاقتراع (أنْ يمنحَ المواطِنُ صوتَه لمنْ يشاءُ) والحقُّ في التّرشُّحِ (أن يطلبَ المواطِنُ أصواتَ النّاخبين). ولا شيءَ في المنطق القانونيّ، على حدِّ علمي، يشرّعُ الحقَّ الأوّلَ ويُبْطِلُ الحقَّ الثّانيَ في الآن نفسِه.
إنّ ترشّحَ القُوّات الحاملة للسّلاح يفتحُ الأبوابَ مشرعَةً أمام أخطار العصيان الدّاخليّ المسلَّح في قلبِ المؤسّسات الأمنيّة والعسكريّة أو فيما بينَها ويُعبِّدُ الطّريقَ أمام النّزاعات الدّمويّة ويُسهِّل الانقلابات العسكريّةَ الطّاحنة... (الأنظمةُ العسكريّة مهدَّدة دوما بهذا الخطر). هذا لأنّ تجميعَ سلطةِ السّلاح والسّلطةِ التّنفيذيّة في يد واحدة يمثّل مسارا استبداديّا كارثيّا: لن يهدأَ بالٌ لمنْ احتكرَ قوَّةَ السّلاح وسُلطَةَ التّنفيذ حتّى يلتهمَ السّلطةَ التّشريعيّة ويُروِّضَ السّلطةَ القضائيّة. وفي الأثناء سيكون الإعلامُ 'الحكوميُّ' أو 'الخاصُّ التّابعُ الانتهازيُّ' خيرَ سندٍ للفاشيّة العسكريّة المنشودة أو للدّولة البوليسيّة في ثوبِها الجديد.
حيازةُ هذه السّلطات كُلِّها يُنعِشُ الفسادَ بل 'يُسلّحُه'، ويُجهض طموحَنا في قيام 'الأمن الجمهوريّ' الّذي يجبُ أنْ يعاملَ جميعَ المواطِنين على قدَمِ المساواة وفي استمرار 'الجيش الوطنيّ' الّذي يَحمي المؤسّساتِ الإداريّةَ والماليّة والاقتصاديّة زمنَ الاضطرابات ويُنجِدُ المحتاجين وقتَ الكوارث الطّبيعيّة ويحصدُ الحبوبَ كلّما عزّتِ اليدُ العاملةُ ويصنَعُ الخبزَ للجياع إنْ لزِم الأمرُ... الأمنُ والجيشُ اللّذان يدافِعان عن الرّاية الوطنيّة أوّلا وأخيرا وحولهما يلتقي التّونسيّون مهما تناطَحُوا في الشّأن السّياسيّ المهتزّ ومهما تطاحَنُوا في الهمِّ الحزبيّ المتلوِّن المتقلِّب، لنْ نجدَ لهما أثرا إنْ ألقيْنا بهما في متاهة التّسيُّس. وما 'الحقُّ الانتخابيُّ' المزعوم إلاّ بوّابةٌ لهذا الخطر السّائر بخطًى بطيئةٍ لكنْ ثابتة.
ما يدور الآنَ من جدل عقيم مقنّع بالنّزعة 'الحقوقيّة' هو إهدارٌ لوقت ثمين على التّونسيّين ومزايدةٌ سياسيّة ساذجة: 'حركةُ الدّواعش' تتّخذ موقفَ الرّفضِ لأنّها تدركُ أنّ أغلبَ الأمنيّين والعسكريّين لن يصوّتوا لها وأنّهم سيثأرون للمذابحِ الّتي ارتكبتْها في حقّهم عصاباتُ 'الأمن الموازي' وميليشياتُ 'الجيش الموازي' (سقراط الشّارني وزملاؤُه الشّهداءُ كان اغتيالُهم جريمةَ إرهاب الدّولة) وأنّ جميعَ مؤامراتها موثَّقةٌ لديهم. أمّا الأحزابُ الّتي تساند هذا الحقَّ فعلى أمل أنْ تحظى بأصواتهم في الانتخابات البلديّة الآتية وفي الانتخابات التّشريعيّة والرّئاسيّة المقبلة. وهذا وهمٌ. فأصواتُ حاملي السّلاح لا تمثّل عدَا نسبةً ضئيلة من عموم النّاخبين ولن تستطيع ترجيحَ كفّة فلان على فلتان. ثمّ إنّه لا شيءَ يضمنُ أنّ جميعَ حاملي السّلاح سيُدلونَ يومَ الاقتراع بأصواتهم. والدّليلُ أنّ الطّلبةَ، نخبةَ المجتمعِ الفتيّةَ، كانُوا أكثرَ الفئات عزوفا عن ممارسة الحقّ الانتخابيّ سابقا.
أيّها النُّوّابُ، لستُمْ أكثرَ حِرصا على حقوقِ الأمنيّين والعسكريّين منهم. والحُكماءُ المثقّفونَ الدّاعِمونَ للمصلحة الوطنيّة مِن القُوّات الحاملةِ للسّلاح أجْمعُوا، حسْبَ مَا فهمتُ، على 'دحضِ الحقّ الانتخابيّ' الّذي لا يَأتي منه، في هذا الظّرفِ السّياسيّ الـمُرتبِك، إلاّ الباطلُ. إنّ هذا 'الحقَّ' واجبُ التّأجيلِ إلى أجيال قادمة أكثرَ منّا تعقُّلا وأقلَّ منّا تشوُّشا وتشرذُما واستهدافا من المافيات الاستعماريّة الإرهابيّة.
ملاحظة: أنصحُ بالاستماع إلى السّيّد العميد 'مختار بن نصر' في برنامج 'حديثُ السّاعة' الّذي بُثَّ يومَ الأربعاء 21 سبتمبر 2016 على أمواج 'الإذاعة الثّقافيّة' التّونسيّة.
فوزيّة الشّطّي
تونس في: 2016.09.23