إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2012/02/14

قضاء الفساد و الاستبداد


قضاءُ الفسادِ والاستبْداد
[ملاحظة: حدثَ ما يلِي قبل الثّورة، لكنْ لا شيءَ يمنعُ تواصلَه بعدها ما دامتْ دارُ لقمانَ على حالها].

لا يجوزُ من باب العدلِ والمنطق والواقعيّة أن نُحمّلَ رأسَ النّظام كلَّ خطايا هذِي البلاد. فقد اسْتشرَى الفسادُ في كلّ المجالات بدرجات متقارِبة جدّا، وعمَّ الاستبدادُ جميعَ مراكز النّفوذ عظيمِها وحقيرِها. وكان القضاءُ وَكْرا آمِنا للفاسِدين والمفسِدين ومُعِينا لا غِنى عنه للآلة السّياسيّة الطّاحنة.
في إحدى الْمحاكمِ الابتدائيّة حدّثنِي، بنَفَسٍ عدَمِيّ[*]، مواطِنٌ أمِّيٌّ معدَمٌ مُهمَّشٌ عن المذنِبين الّذين تقودُهم الشّرطةُ بعد مطارداتٍ مُرهِقةٍ إلى قاعةِ المحكمة عبرَ البابِ الرئيسيّ، وإذا بِهِمْ يغادرونَها بقدرةِ قادرٍ مِن الأبواب الخلفيّةِ لنفس المحكمة. يكفِي أن يرِنَّ الهاتفُ لتحصُلَ المعجزةُ. ربّما يكونُ هذا دليلاً على أنّ بعضَ المؤسَّساتِ القضائيّةِ تعُبُّ عبّا مِن وسائلِ الاتّصال الحديثة حدَّ التّخمة. 
تعرّضتْ مواطنةٌ إلى الاعتداءِ بالعنف اللّفظيّ والتّهديدِ باستعمال العنف البدنِيّ في نُزلٍ محترَم. والمعتدِي هو قاضٍ. تتلخّصُ الحادثةُ في أنّ القاضيَ اعتادَ أنْ يُقضِّيَ ليلتيْن أسبوعيّا في النّزلِ المذكور. وصباحا يسلِّمُ مفتاحَ الغرفةِ الّتي دأبَ على النّوم فيها إلى قسْم الاستقبال. هكذا تصيرُ الغرفةُ على ذِمّة أيِّ وافدٍ جديد. حلّتْ بالنُّزل حريفةٌ تعوّدتْ هي أيضا قضاءَ ليلةٍ مِن كلِّ أسبوعٍ هناك لأسبابٍ مهنيّة. فسلّمَها موظّفُ الاستقبال مفتاحَ تلك الغرفةِ الشّاغرة. لكنْ عاد القاضِي متأخّرا إلى النّزل لِيبيتَ ليلةً أخرى دون سابقِ إعلام. وطلبَ بِحزْم رجُلِ القانون أنْ تعودَ إليه "غرفتُه" في الحينِ وأنْ يتمّ ترحيلُ المواطنة وهي بلباس النّوم إلى غرفةٍ أخرى.
تردّد موظفُ الاستقبال لأنّ الأمرَ لا يَجوزُ قانونيّا وأخلاقيّا. فأرغَى القاضِي وأزبدَ وهدّد وتوعّد. رضَخ الموظّفُ مُرتعِدا، وقصدَ غرفةَ النّزيلة يطلبُ منها تنفيذَ الحكمِ الصّادر ضدَّها. فرفضتْ رفضًا قاطعا كما يجدرُ بأيِّ مواطنٍ يحترمُ نفسَه أنْ يفعل. ولا تَسَلْ عن رَدّةِ فعل قاضِي القُضاة هذا: اِنْهالَ على النّزيلة قذْفا وسبّا وثلْبا، وبدا زادُه اللّغوِيّ في هذا البابِ أغنَى من كلِّ قذاراتِ الشّارع التّونسيّ. حتّى مفاتيحُ القاضِي خرجتْ مِن غِمدها وصفعَتْ وجهَ المديرِ الإداريّ الذي تحرّكتْ فيه نَخوةٌ مّا مُحاولا الخروجَ بأخفِّ الأضرار. ولو أطلقَ سيّدِي القاضِي العِنانَ لحذائِه لكسَرَ زُجاجَ "وزارةِ العدل" وداسَ "المجلاّت التّشريعيّة" فصلاً فصلا بِلا رادِعٍ أو محاسبة على تخريبِ الْمال العامّ.
إلى هنا الأمرُ عاديٌّ  مألوف لا يفاجِئُ أحدًا تقريبا. فمتَى تبدأ الكارثةُ الحقيقيّة؟ بدأتْ حسْب رأيِي عندما انقلبَ جميعُ الموظّفين والعمَلة ضدَّ النّزيلةِ كاسِحةِ الرّأس ليُنقذُوا رؤوسَهم من احتمالِ تُهمةٍ مُلفَّقة تُلقِي بِهم في غَياهِب السّجون، عندما فعلَ التّرهِيبُ فِعلَه المدمِّرَ فيهِمْ حتّى هَتك الذِّمامَ وجَمّد الهِممَ، عندما جاءتِ الشّرطةُ مُرتبِكةً على وجهِ السّرعة لتؤيِّدَ القاضيَ في استرجاعِ الغُرفة موضوعِ النّزاع.
هذا المعتدِي قد تطاولَ أوّلا وقبلَ كلّ شيءٍ على القانون الّذي يعلُو ولا يُعلَى عليه مِن حيث المبدأُ على الأقلّ، وتطاولَ بالقانون على النّزل بكلِّ مَن فيه، وتطاولَ على أهلِ القانون بانتمائِه الْمُخزِي إليهِم. والنّتيجةُ أنّه تطاولَ على قِيمِ المواطَنةِ جميعِها، وهذا أهمُّ ما يعنِينا الآن. لسنا بِحاجةٍ إلى أنْ نُحصيَ كمْ مرّةً خان هذا القاضِي قسَمَه: كمْ مُجرِما خَرج مِن بين يديْه "مُدانًا بالبراءَةِ" وكمْ بريئا أحْكمَ قبضتَه عليه "بتُهمةِ اللاّذنْب".

فوزيّة الشّـطّي
                                          تونس: 2009.12.29





 [*]العدميّة : تدلّ على موقف في الفكر والفلسفة وتطبيق العمل. والعدمِيّون هم أولئك الثّوار الرّوس الذين ظهروا إبّان حكم القيصر ألكسندر الثّاني [1855 - 1881]. راجت تسميتُهم على يد الرّوائي "تورجنيف" في قصّته "الآباء والبنون". فصارت تعني أولئك الّذين لا يوافقون على شيء ينتمي إلى النّظام القائم، وأخذوا منذ 1878 في شنّ حملة إرهابيّة بلغت ذروتَها بمقتل القيصر. موسوعة السّياسة، عبد الوهاب الكيّالي، جزء ط 2، 1990، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر.