إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2012/01/31

ضدّ ترهيب الفنّانين


ضدّ ترهيبِ الفنّانين
  
   يومَ 2011.06.30 اِحتجّ إسلاميّون تونسيّون أمام قاعة سينما "أفريكار" بمناسبة عرض فيلم للمُخرجة "نادية الفاني" الّذي تنظّمه جمعيّة «لَمِّ الشّمل»، ثمّ اقتحموا قاعةَ العرض عنوةً بعد كسْرِ زجاج الباب، واعتدوا بالعنف على بعض الحاضرين. لستُ أدافع عن الفيلم لأنّي لَم أشاهِدْه. إنّما أعارض ترهيبَ الفنّان أيّا كان.
   ما حدَث ليس من الغرابةِ في شيء. هو مشهدٌ مألوف استغلّ فيه «حماةُ الإسلام السّياسيّ» ضعفَ الحكومة وانشغالَ الأحزاب بالحملات الانتخابيّة وهشاشةَ الوضعيْن الأمنِيّ والنّفسيّ لعموم التّونسيّين. أتوقّع أن يستبدلوا في القريب العاجل الهراواتِ بالسّيوف المهنّدة والعصيّ ببنادقِ الصّيد أو ما شابه، وقد يبدأ موسمُ حصاد «الذّبائح البشريّة» في وقتٍ قياسيّ. ولأنّي أومِن بحكمةِ «رُبّ ضارّةٍ نافعةٌ» أقول: حسنًا فعَل هؤلاء. لقد جعلونا نرَى أحدَ وجوههم المشرقةِ بالطّهر والإيمان والجهاد في سبيل مصادرة الفنونِ وأشكالِ التّعبير جميعِها. شكرا لهم على إسقاط أقنعتهم مبكِّرا وعلى مصارحتهم أبناءَ الشّعبِ الكريم بما يلي: «اُنظروا ما سنفعل بكم لو انتخبتمونا». فإن اختارهم التّونسيّون للمجلس الوطنيّ التّأسيسيّ أو للرّئاسة لاحِقا كانوا كمن يفقأ عينيْه بإصبعه. وقتها ستصدُق عليهم المعادلةُ الرّياضيّة: «كما تكونون يُولَّى عليكم». فليس الحاكمُ إلاّ صنيعةَ محكوميه.
   هؤلاء المهاجمون ذوُو الوجوه السّافِرة أخفُّ وِزرا على قلبي وعقلي من زملائهم الملثَّمين بوشاحِ الدّيموقراطيّة وحريّة التّعبير وحقوق المرأة والبرامج التّقدّميّة الحداثـيّة... أمّا الاحتجاجاتُ "الشّعبيّة" العلنيّة الّتي نُظّمتْ بعد صلاة الجمعة في بعض المدن التّونسيّة فهي، حسْب فهمِي المتواضع، إخراجٌ جديدٌ لكنْ رديءٌ فنّـيّا للمذابح القبَليّة الّتي نكبَتْ مدينةَ "المتلوّي" منذ أسابيع. الأيدي الخفيّةُ قد تكون هي هي، ربّما شَدّ أزرَها تحالفُ أعداءِ الأمس القريب. أمّا المالُ السّياسيّ الوفير الّذي ينهمرُ على الجياع المهمّشين فهو كفيلٌ بإنطاقِ الخُرسان وإبْصار العُميان وإحياء الموتى. ولنا قبْلا تجربةٌ فريدة في جرِّ الأموات من ظلمةِ المقابر إلى شفافيّة صناديق الاقتراع!

فوزيّـة الشّـطّي
تونـس: 2011.07.01

مؤامرة راشدة جدّا


مؤامرةٌ راشِدةٌ جِدَّا

 الحكومةُ الشّرعيّةُ وجَدتِ الحلَّ السّحريّ لكلّ القضايا في بلادنا. إنّها نظريّة المؤامرة. الاحتجاجاتُ والاعتصامات الفرديّةُ منها كما الشّعبيّةُ مَشبوهةٌ كلّها، مُخوّنٌ حامِيها، مُهدَرةٌ دِماءُ مُرتكِبيها. أمّا عدوُّ البلاد الأوحدُ فهو جماعةُ «الصّفر فاصل» اللاّوطنيّةُ «السّافرة». أولئك الّذين عجِزوا عن اكتساحِ ما يُسمّى تجوّزا "المجلسَ الوطنيّ التّأسيسيّ" صاروا فجأة قادرين على تحريكِ الشّعب في كلّ جهاتِ البلاد التّونسيّة، حتّى كأنّهم سَلبوا العقلَ الجمْعيّ واستوطنوا النّفوسَ الّتي حسِبْناها بحيازةِ الحزب الشّرعيّ الحاكم رَهْنا إلى قِيامِ السّاعة. بِذا لَمْ تَحِد الحكومةُ «المؤقَّتةُ» عن نهجِ سابقتِها «الانتقاليّة»، بل شحنتِ الاتّهامَ بمفاهيم أنتجها الظّرفُ الرّاهِن من قبيل «الانقلاب عن الشّرعيّة» و«تركِيع الحكومة» و«التّدمير الممنهَج للاقتصاد الوطنِيّ»...
    هو ذا الضّحكُ على الذّقون، هي ذي سذاجةُ من لم يُحسِن ترويضَ نفسِه على سلطةٍ سياسيّة يُصافحها للمرّة الأولى بيدٍ مرتعشة لهفةً ومستأسِدةٍ نقمةً تخْبِط خبْطَ عشْواء في عتْمةِ السّجون أو تَرَفِ المنافي. التّعويلُ على المؤامرةِ المحلّـيّة، ارتباكُ السّياسة الخارجيّة، زلاّتُ اللّسان الرّسميّ، إدمانُ دورِ الضّحيّة مُعارِضا وحاكِما على السّواءِ، سياسةُ إرهاب الدّولة عبْر "رابطات الحماية"... مؤشّراتٌ تجعل الرّأيَ العامّ المواطَنِيّ مشغولَ البالِ فعْلا على مستقبلِ البلاد في قادمِ الأيّام.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: جانفي 2012

2012/01/27

إلى جيشنا الوطنيّ


إلى جيشنا الوطنـيّ

نعترف أنّ جيشنا الوطنِيّ بموقفِه الحكيم أثناءَ بلوغ الثّورة التّونسيّة أوجَها قد أنقذنا جميعا من مأساةٍ حقيقيّة على النّمط اللّيبِيّ أو السّوريّ. في هذين البلدين الشّقيقين وقف الجيشُ في صفِّ الطّغاة بلا قيدٍ أو شرط. هذا الاعترافُ لا يتناقضُ مع اعتقادِنا بأنّ موقفَ المؤسّسةِ العسكريّة مِن تصريحات السّيّد «فرحات الرّاجحي» جاء أعنفَ مِمّا توقّعنا حتّى كاد يزرعُ الشّكَّ في قلوبنا. المطالبةُ برفعِ الحصانة القضائيّة عنه ثمّ السّعيُ إلى مقاضاتِه ذكّرانا بسياسةِ التّنكيل الّتي انتهجها رموزُ النّظام السّابق. شدّةُ الإنكار أكسبتِ "الاتّهامَ" صِدقيّة أكثر مِمّا كانت له قبلا. الإقالةُ الثّانية قوّتْ حجمَ التّعاطف الشّعبِيّ معه. صِرنا نعتبره مِن أهمِّ ضحايا المرحلةِ الانتقاليّة المرتبِكة الّتي يكبّل استبدادُ الأمس قدميْها وتشدّ ديموقراطيّةُ الغد على يديْها. أمِنْ مصلحةِ الجيش الوطنِيّ الّذي تَتنازعه أخطارٌ في الدّاخلِ والخارجِ أن يُتّهَم صراحةً أو ضِمنا بمصادرة «حقّ التّعبير عن الرّأي»؟ وهل مِن مصلحةِ شعبنا أن تَهتزّ ثقتُه في جيشه؟ حتْما لا. إذن لِم كلّ هذه الزّوبعةِ؟ لستُ أدري.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2011.06.01

الغزوُ الخليجيّ الأجيرُ


الغزوُ الخليجيّ الأجيرُ
 أقدّمُ أخلصَ التّعازي للحلفاءِ 'المملكة العربيّة السّعوديّة' و'الإمارة القطريّة' و'الكيان الصّهيونيّ' على تهشُّم النّظام المصريّ رابعِ الأثافي. وأخشَى ما أخشاه أن تخرج علينا الثّورةُ المضادّة بنسخةٍ مشوّهة من 'حسني مبارك' أو 'زين العابدين بن عليّ' أو أحدِ أقرانهما [لا أذكرُ العقيدَ 'معمّر القذّافي' احتراما لموتِه الدّامي المهين للذّات البشريّة].
تمتلك أنظمةُ النّفطِ من قوّة المال ومن فتنةِ السّلطان الحادِث ومن عَماء البصيرة السّياسيّة والتّاريخيّة ما يجعلها ترتكبُ كلَّ الجرائمِ والحماقات كي تنقذَ العرشَ من أيِّ هزّة غيرِ مضمونة العواقب. لقد نَفشتِ التّيّاراتُ الإسلاميّة ريشَها وتنمّرتْ لقطفِ ما أينع من ثمارِ الثّورات الشّعبيّة الّتي لم تساهمْ فيها بشيء. ها هي تستوطنُ الشّوارعَ وتُحرّم الفنونَ وتروِّع أعداءَ الأمس واليوم وخصومَ الغدِ الـمُحتمَلين. أليس نشرُ الاستبدادِ والتّخلّف هو أجلُّ خدمةٍ يُقدّمها أعوانُ المملكةِ وسدَنةُ الإمارةِ 'للإمبراطوريّة الأمريكيّة المتوحّدة' [كما يسمّيها المفكّرُ الحرّ نعوم تشومسكي] ولذراعِها الطُّولَى في 'الشّرقِ الأسيرِ': المافيا الصّهيونيّة؟!
  ما كانَ العدوُّ الخارجيّ ليعبثَ بحقوقنا التّاريخيّة لو لم يكنْ أعداءُ الدّاخل لنا بالمرصاد: يقلّمون أظافرَنا، يزرعون الإرهابَ الوبائيّ في تربتنا، يسمّمون أحلامَنا في غدٍ أكثرَ عدلا وحرّيّة وإنسانيّة. ثمّ يَـجنون الفُتاتَ.
فوزيّـة الشّـطّي
تـونس: 2011.05.06


العلمانيّة و التّطرّف


 العَلمانيّةِ و التّطرّفِ
  
الصّراعُ بين العَلمانيّةِ والتّطرّفِ الدّينِيّ ليس وليدَ اللّحظة. إنّما اتّساعُ مساحةِ التّعبير كشَف عُمقَه وعُنفَه وحِدّتَه. في العَقديْن الماضييْن خَمد صوتُ العَلمانيّين إلى حدٍّ كبير. واحتكرَ الإسلاميّون السّاحةَ تقريبا. كان خطابُهم أقربَ إلى الجماهيرِ الشّعبيّة لأنّ تقبُّلَه لا يستدعِي عميقَ تفكيرٍ أو سعةَ ثقافةٍ. إنّه خطابُ "الحلال" أو "الحرام"، "المسلم" أو "الكافر"، "الأخ" أو "عدوّ اللّه"... تلك ثُنائيّاتٌ جاهِزةٌ للاستهلاكِ المباشِر بأقلِّ التّكاليفِ وأخفِّ الأضرار. أمّا العَلمانيّون فقد تعالَوْا على هشاشةِ واقعِهم حتّى انفضَّ النّاسُ مِن حولهم تائبِين مُستغفِرين.
الآن يعود الصّراعُ بسببِ الخوفِ على «مكاسب المجتمع المدنِيّ» والخشيةِ من رِدّةٍ لا يُعرَف أدناها من أقصاها. ليس الوعيُ محرّكَ الصّراع. والدّليل الجهلُ الفاضِح بمفاهيمِ «العَلمانيّة» و «اللاّئكيّة» و «الدّولة المدنيّة»... جهلٌ استغلّه الإسلاميّون، فروّجوا ترادُفَ ما سبق مع "الكفرِ والإلحاد ونفيِ الدّين" ليُعمّقوا عزلةَ الخصْم عن الرّأيِ العامّ التّونسيّ. لم نرَ نخبةً حقّةً تنْبرِي لسدّ النّقصِ المعرفِيّ عند عامّةِ النّاس وخاصّتِهم. بل ألفيْنا "نُخبا سياسيّة" تدْفعُ عن نفسِها تُهمَ الكُفرِ والإلحاد بشتّى السّبل وأعتَى القرائنِ، عساها تُفلِتُ من قَفَصِ الاتّهامِ. مازال الصّراعُ غيرَ مُتكافئ لأنّ حجمَ الأمِّـيّة، كحجمِ الفساد، مَهولٌ ضخّمتْه "العائلةُ المالكة" بِسبْق الإضْمارِ والتّرصُّد ليخْلوَ لها الجوُّ ويحلوَ هتكُ الأعْراض. والعقلُ رأسُ تلك الأعراض المُداسَة عَلى مَهَلٍ.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2011.06.17

لم سؤال: لم الآن؟


لِمَ سؤالُ "لِمَ الآن"؟
الثّوراتُ جميعُها حصيلةُ تراكمِ الظّلم والقهر والحرمان. وترديدُ سؤال: «لِم حلَّ الرّبيعُ العربِيّ في هذا الوقتِ بالذّات؟» يكشف عقدتَيْ النّقصِ والذّنبِ عندنا. آمنّا عقودا بعجزِنا عن الفعلِ الثّوريّ، استفردَ قادتُنا بلعبةِ السّياسة، فعبثُوا بنا وبها. عِشنا كرعايا القرونِ الوسطى. عذّبنا الشّعورُ بالذّنب تجاهَ القضايا الوطنيّةِ والقوميّةِ [فلسطين أهمّها].
الآن طفَح الكيلُ. والقولُ بتدخّلٍ أجنبِيّ غربِيّ أو خليجِيّ في إشعال الثّورات العربيّة محضُ سذاجةٍ لأنّه ليس من مصلحةِ الغرب الإمبريالِيّ وأتباعِه أن تسودَ الأنظمةُ الدّيموقراطيّة عندنا. لقد تحالف غزاةُ الأمسِ واليوم مع طغاتِنا، وبرّروا جرائمَهم ضدّنا، وضمِنوا معهم أوفرَ المصالح. إنْ تآمروا فلِكيْ يئِدُوا هذه الثّورات و يُخرجوها عن مسارِها الحقّ و يحرمونا جنْيَ ثمارها. وفي موقفِ الخارجيّة الفرنسيّة من بدايةِ الثّورة التّونسيّة خيرُ دليل على التزامِ الغرب بدعمِ الاستبداد في دول العالم الثّالث. لم يكنْ ذاك زلّةَ لسان ولا هفوةً ديبلوماسيّة. إنّما هو قراءةٌ نفْعيّة لكنْ قاصِرة لانفجارِ شعبٍ نَهشَهُ الدّاخلُ ونَهبَه الخارجُ بِـ "التّوافق"
لقد حلَّ «الرّبيعُ العربِيّ» لَمّا اكتملتْ جُلُّ شروطِ الإخصابِ: هُيّئتِ التّربةُ المفقَّرةُ، نُثرتِ البُذورُ العِجافُ، نزلَ بعضُ الغيثِ... فاشتعل اللّهيبُ من تحت الرّماد. لهيبٌ نخشَى عليه الأسلمةَ ونخشى منه الانحرافَ نحو الدّكْترة. أمّا التقاءُ الخشيتيْن فواردٌ جدّا.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2011.05.14

صلاة باطلة


صلاةٌ باطِـلة
   أنا أيضا سأدلِي بدلْوِي في مجالِ الفتوَى. فأجزِم بأنّ صلاةَ الجنازة الّتي أدّاها صقورُ "الإمبراطوريّة الأمريكيّة المتوحّدة" على «أسامة بن لادن» باطلةٌ قلْبا و قالِبا. إمّا لأنّ زعيمَ القاعدةِ لم يُقتل أصلا، أو لأنّه اختارَ العودةَ سرّا إلى حضانةِ "البيت الأبيض" الّتي منها انطلق يُحارِب بالنّيابةِ والتّوكيل، أو لأنّه كان في عِداد الأموات قبْل زمنٍ طويل من الإعلانِ عن الانتصارِ "المارينْزِيّ" الزّائف، أو لأنّ الصّقورَ الكواسرَ هم الأوْلَى بشتّى صلواتِ الجنازة... القتلُ ثمّ الصّلاةُ ثمّ الدّفن في الماءِ أو في التّرابِ طقوسٌ سياسيّة لا تعدُو أن تكون مسْرحا ردِيئا جدّا قد تزْدرِدُه ذائقةُ الشّعبِ الأمريكيّ السّاذج. أمّا نحن فقد «تمرّسْنا بالآفاتِ» على حدِّ عبارة أبي الطّيّب المتنبّي. لكنْ دون أن ندعها تقول «أماتَ الموتُ أم ذُعرَ الذّعرُ؟». فالموتُ لنا بالمرصادِ، و الذّعرُ فِينا ساكِنٌ. السّيّدُ «أسامة بن لادن» وليدُ هذا العصرِ الأمريكيّ الشّاذِّ سياسيّا وأخلاقيّا. زعامتُه تكاد تكونُ من قبِيل الحتميّاتِ لما يسُودُنا من عجزٍ عمَليّ و فراغٍ فكريّ و اكتئابٍ جماعيّ. لا يُعقل إذنْ أن نُحمِّله كلَّ أوزارنا. هو من صُلبنا بالطّبيعة و من صُلبهم بالتّبنّي.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2011.06.09

سياسةُ الأمرِ الواقع


سياسةُ الأمرِ الواقع

التيّاراتُ الإسلاميّة التّونسيّة، وعلى رأسِها «حركةُ النّهضة»، تفعل المستحيلَ لتُقنع الرّأيَ العامّ التّونسيّ بأنّها الممسكةُ الوحيدة بزمامِ الأمور في البلاد.
تعزِل الأئمّةَ لتُعيّن أبواقَ دعاية لها في بيوتِ اللّه. المدنُ في شبهِ أمانٍ مقارنة بالقُرى والأرياف حيث تقاسمَ الإسلاميّون المساجدَ الصّغيرة النّائية واستفردوا بالنّاس البسطاء الّذين لا يعرفون من السّياسة إلاّ طاعةَ أُولِي الأمر. الصّلاةُ في الشّوارع وترويعُ النّساءِ غير المحجَّبات وفرضُ حلقاتِ نقاشٍ ساخنة حول الحجابِ والنّقابِ وتعدّدِ الزّوجات وإصدارُ فتاوَى التّكفير والتّحريم ضدّ الفنّ والفنّانين وإهدارُ دمِ بعضهم... كلُّ ذاك تكريسٌ فجٌّ لِـ"سياسةِ الأمرِ الواقعِ": نحن هنا نسيطرُ على الميدان بسلطةِ المال و قوّةِ العدد، ولا أحد جديرٌ بالوقوف في وجوهنا. هذا الفعلُ الميدانِيّ "ثّأريّ" أكثرَ مِمّا هو سياسيٌّ. كأنّما الإسلاميّون يثأرون لما نالَهم من اضطهادٍ زمنَ "بن عليّ" بأنْ يضطهِدوا كلَّ مخالِفِيهم بمن فيهم شركاءُ غرَف التّعذيب وفرائسُ «البوليس السّياسيّ».
إذا كانت الدّعايةُ السّياسيّة بكلِّ هذا الحدّ من العنف والتّعدِّي على العُرفِ والقانون فأيُّ وجه سيُكشَف لنا لو تربّعُوا على العرش بلا شريكٍ أو رقيب؟ تلك قفزةٌ إلى غياهبِ المجهول أو غطْسةٌ في بحار الظّلمات.
فوزيّـة الشّـطّي
تونس: 2011.05.06


2012/01/16

رابطات الحماية


«رابطاتُ الحماية»

هو الاسمُ الرّسميّ للميليشيات النّهضويّة الّتي تهجم "فجأة" على كلِّ الخصوم مُعتصِمين كانوا أو مُـحْتجِّين أو مُـحْتفلين بِـ "سنة أولى ثورة مغدورة". يومَ 2012.01.14 كنتُ شاهدةَ عيان على ثلاثة اعتداءات بالعنف اللّفظيّ والبدنِيّ ضدّ دُعاة «الثّورة المستمرّة» ورافضةِ «الخلافة الرّاشدة» أيّا تكنْ رتبتُها!
مع أنّ النّهضويّين احتلّوا منذ ليلة "العيد الثّوريّ" ساحةَ المسرح البلديّ الاستراتيجيّة ولم يُنافسهم عليها أحد [ومَن يجرؤ؟!]، فقد تسرّبُوا بين صفوف "الأعداء الكَفَرة" واستفزّوهم بوقاحةٍ وصَفاقة وتبادلوا اللّكَمات مع بعضِهم ودَفعوا المتظاهِرين إلى الرّصيف. والأكثرُ إثارةً للعَجب إصرارُهم المستميتُِ على الدّخول في جدَل عقِيم معنا حول «مبادئ الوطنيّة» الّتي يبدو أنّنا منها بَراءٌ و«الحكومة الشّرعيّة» الحاكمةِ بأمرها و«الأزمة الاقتصاديّة» الّتي ستفكُّ "قطر" عقدتَها بسحرها الحلال لوجه اللّه تعالى...
إنّه «البوليسُ السّياسيّ» وقد التحَى وانتقبَ، هو المجنَّدُ لصناعة الرّعب حيثما أُمِر بالحلول: نسخةٌ متحجِّبة منه تغزو «كلّـيّة الآداب و الإنسانيّات بمنّوبة»، وأخرى سافِرةٌ سُفورَ الصّبحِ الأبلَج تحطّ الرّحالَ في «سجنان» حيث "الإمارةُ الإسلاميّة" البكرُ الولودُ.
فوزيـّة الشّـطّي
تونس: 2012.01.16
الإمضاء: "سافِرة" أي "صفر فاصل"

شارع بورقيبة: 2012.01.14


شارع بورقيبة: 2012.01.14
شعاراتُ الثّورة المستمرّة
   في سنة أولى ثورة التقتِ الأحزابُ و منظّماتُ المجتمع المدنِيّ و المستقلّون المهتمّون بالشّأن الوطنِيّ في شارع «الحبيب بورقيبة» بالعاصمة التّونسيّة. دوّنتُ مجموعةً من الشّعارات الشّفويّة و المكتوبة الّتي رفعتْها القوى التّقدّميّةُ من يساريّين و قوميّين و فنّانين و حقوقيّين مستقلّين. شرحتُ بعضَ تفاصيلها المحلّـيّة. و عرّبتُ ما جاء منها بالدّارجة التّونسيّة انتصارا للفصحى أوّلا و توسيعا لمجال الإفهام ثانيا.
- «يا "مرزوقي" عار عليك، "الخليفة" "يحكم فيك"» [الأوّل هو رئيس الجمهوريّ: "محمّد منصف المرزوقي"، و الثّاني هو: "راشد الغنّوشي" الزّعيم الرّوحيّ لحركة "النّهضة"، يَتحكّمُ بكَ].
- «لا خلافةَ لا نفاق، التّشغيلُ استحقاق».
- «شعب واحد لا "شعبين"، من مرّاكش للبحرين» [نُصب هذا الاسمُ للضّرورة الإيقاعيّة].
- «ثورتنا ثورة كرامة، لا "حمد" و لا أوباما» [هو الأمير القطريّ: "الشّيخ حمد بن خليفة آل ثاني"].
- «لا وصاية قطريّة على الأراضي التّونسيّة».
- «يا حكومة عار عليكم، "صهيونِيّ" دنَّس أراضيكم» [المقصود هو أمير قطر الّذي اُستدعي ليشارك في الاحتفال الرّسميّ بالذّكرى الأولى للثّورة].
- «لا أمريكا لا قطر، شعبُ تونس شعبٌ حرّ».
- «يا "حمد"، يا جبان، يا عميلَ الأمريكان».
- «لا قطر، لا السّعوديّة. السّيادةُ وطنيّة».
- «"هِزّ فلوسك"، يا قطر. فسفاط قفصة هو الحلّ» [أي: خُذي عنّا أموالَك].
- «شغل، حرّيّة، كرامة وطنيّة».
- «الشّعب يريد الثّورة من جديد».
   - «يا شعب، المدّ المدّ ضدّ الرِّجعيّ و المرتَدّ».
- «يا حكومة، عار عار، بِعتُم تونس بالدّولار».
- «"هزّوا يديكم" على القضيّة، عملاء الإمبرياليّة» [أي: اِرفعُوا أيديَكم].
- «"دساترة" و "خوانجيّة"، عملاء الإمبرياليّة» [التّجمّعيّون و الإسلاميّون].
- «"نهضاويّ"، رِجعيّ، سَمسار، عملاء الاستعمار» [مَن ينتمي لحركة "النّهضة"].
- «مؤقَّت، مؤقَّت، وووه» ["سمير ديلو" النّاطقُ الرّسميّ باسم الحكومة الحاليّة احتجَّ ضدَّ الإعلام العموميّ الّذي دأب على نعتِها بالمؤقّتة. فتعمّد المتظاهِرون نبْزَه عمدا بِهذه الصّفة].
- «يا "مؤقّت" عار عار، بِعتُم تونس بالدّولار».
- «الشّعب يُريد تجريمَ التّطبيع».
- «المحاسبة قبل المصالحة».
- «لا خوف، لا رعب. السّلطة مِلك الشّعب».
- «لا صوتَ يعلو فوقَ سلطة الشّعب».
- «Nahtha, dégage. الإمضاء: "سافرة"» [أي "يا نهضة، اِرحلِي". أمّا صفةُ "السّافرة" فهي نَـبْزٌ لرئيس الجمهوريّة الّذي صنّف نساءَ تونس، في أوّل خطاب له بعد انتخابه إلى: "منقَّبات" و محجَّبات" و "سافرات"، واعِدا بحمايتهنّ حسْبَ ذاك "التّرتيب التّفاضليّ"].
- «يا "حمّادي" التّفجيرات، "ما نحبّوش" الشّعارات» ["حمّادي الجبالي": رئيس الحكومة الحاليّة، اِرتكبتْ الجماعةُ الإسلاميّة عمليّات إرهابيّةً زمنَ الرّئيس "بورقيبة" في "باب  سويقة" بالعاصمة و خطّطتْ لارتكاب غيرها في مدينة "سوسة"، لا نُحبُّ].
- «يا حمّادي، يا جبالي. شعبُ تونس "مشْ بُوهالي"» [ليس غبيّا].
- «نعمْ سنموتُ، و لكنّنا ... سنقْتلعُ القمْعَ من أرضِنا».
- «نعمْ سنموتُ، و لكنّنا ... سنقْتلعُ "النّهضة" من أرضِنا».
- «يا "غنّوشي"، "آش قرّبكْ للشّعب"، يا غنّوشي» ["راشد الغنّوشي" الزّعيم الرّوحيّ لحركة "النّهضة"، ما الّذي قرَّبكَ من الشّعب أي: كيفَ جنيْتَ على نفسِك؟! و العبارة مُستلهَمةُ الإيقاعِ من أغنية شعبيّة تونسيّة تقول: "يا زيتونة، آش قرّبكْ مِ الوادْ، يا زيتونة].
- «"أنا فهِمتكم"، و أنتم فهمُكمْ ثقيل» [العبارة مُستلهَمةٌ من آخر خطابات الرّئيس السّابق يومَ 2011.01.13، و صارت تلك إحدى النّكات الجمْعيّة لأنّها اعترافٌ قسْريّ جاء بعد فوات الأوان].
- «تونس ليستْ للبيع، يا "قطرائيل"» [هذا مزجٌ بين كلمتَيْ "قطر" و "إسرائيل].
- «"البهيم" في السّعوديّة، و "الكرّيطة هيَّ هيَّ» [هو الحمار الّذي رُمِز به إلى الرّئيس السّابق، العربةُ المجرورةُ هي نفسُها].
- «"صحَّ" اللّحية، يا "تجمّع"» [مُبارَكٌ عليكم، حزبُ "التّجمّع الدّستوريّ الدّيموقراطيّ" المنحلّ نظريّا].
- «لا للمجلس الوطنِيّ التّأسيسيّ المهزلة».
- «أنا لا أوافقُ على ما تقول. و لكنّي سأقف حتّى الموتِ مدافِعا عن حقِّك في أن تقول ما تُريد».
- «لن تحكُمنِي ديكتاتوريّةٌ دينيّة».
ما أستنتِجه من هذه الشّعارات أنّنا، بعد سنةٍ أولَى ثورة، اِجتزْنا الامتحانَ الصّعبَ بملاحظة: «ضعيفٌ جدّا، عليه بالعمل و الجدّيّة و المواظبة، و تُسنَد إليه عقوبةُ "الإنذار الأخير" لضُعفِ نتائجه و سُوءِ سلوكه الثّوريّ...»
فوزيّـة الشّـطّي =  تونس: 2012.01.15











2012/01/13

الإعلام و السّلطة: معركة المصير


الإعلامُ و السّلطةُ: معركةُ المصيرِ
   الإعلامُ التّونسيّ اليومَ كالغريق الّذي يصارع أمواجا قمعِيّة عاتِية. كلّما طفا على السّطحِ يستنشق بعضَ الهواء جُرّ إلى ظُلُماتِ الصّمتِ الرّهيب أو مدائحِ العرشِ المهِيب. يُريدونَه ناطقا رسميّا بلسان الحكومة "الائتلافيّةِ" ظاهرا "الحزبيّةِ" باطنا. يُريدونَه "شيطانا أخرس" خائنا للحقِّ العموميّ الّذي اؤتُمِن عليه. يُريدونَه مَسْخا كما كان قبْلا. أمّا هو فينوءُ تحت أعباءِ الإرث الثّقيل عازِما على فكِّ القيودِ السّياسيّة القديمة المتجدِّدة الّتي ألجمتْ لسانَه وأربَكتْ خطاه وخَوّنتْ كلَّ خطابٍ حرّ نزيه مستقلّ يَصدر عنه، وما زالتْ تفعلُ بحماسةٍ  "ثوريّة" وشراسةٍ "شرعيّة" واعتدادِ "أغلبيّةٍ" غالبةٍ على أقلّـيّةٍ هي والعدم سواءٌ.
لا يُعقَل استنكارُ محاولةِ السّلطة بسْطَ يدها الطّولَى على مؤسّسات الإعلام العموميّ. فهذا من قبيل "الحتميّات". إنّ الإعلامَ والقضاءَ هما دوما أكثرُ المجالاتِ استهدافا لكَونِهما الأقدرَ على كسْرِ شوكةِ الاستبداد السّياسيّ: المكاشَفةُ تنزعُ الغشاوةَ عن بصرِ الجماهير، والمحاسبةُ تُسقِط تاجَ الألوهةِ عن بصيرةِ السّاسَة. مِن السّذاجةِ إذنْ توقّعُ رفْعِ الحظر تلقائيّا عن الإعلاميّين الخارجِين من قُمقم السّلطان. الواجبُ العملُ الدّؤوب على قطعِ اليدِ المعتدِية بالفضحِ الميدانِيّ والتّحليلِ العقلانِيّ وتكريسِ حرّيّة التّعبير ممارسةً لكونِها أولويّةً قُصوى لا تَقبل التّأجيلَ بحجّةِ "الفزّاعتيْن" الأمنيّة والاقتصاديّة، تَبتزّنا هذه وتلك بالتّناوبِ حينا والتّحالفِ سائرَ الأحيان. الواجبُ المهنِيّ أن نُسقِطَ القناعَ عن ازدواجيّةِ الخطاب واستبداديّةِ الأداءِ. إنّ "الانفلات الإعلاميّ"، على عِلاّتِه، هو الضّامنُ لـِ  "سُفُورِ" السّلطةِ قلْبا وقَالبا مهما تحجّبتْ وتنقّبتْ واستظلّتْ بالعصابات الّتي تنهال على المحتجِّين "فجأة" مِن حيث تَدري وتَحْسبُنا لا ندري.
الصّراعُ بين «الإعلاميّ» و «السّياسيّ» في تونس الثّورة أعسرُ ممّا بان إلى حدِّ الآن. إنّه صراعٌ طويلُ النّفَس لأنْ لا طوقَ نجاةٍ من الغرق في "طاحونة الحزب الحاكم" إلاّ سَلاطةُ اللّسان و جُموحُ القلمِ وطولُ الباعِ والذّراع في الصّنعة الإعلاميّة. "أمُّ المعارك" هذي وهبتْنا إيّاها الثّورةُ، والثّوراتُ أحداثٌ استِثنائيّة طارِئة يصنعُها التّراكمُ الجمْعيّ البطيء. هكذا لن يصيرَ الإعلامُ سلطةً رابعة مستقلَّة  إلاّ رغم أنفِ السّلطة التّنفيذيّة.
فوزيّـة الشّـطّي
                                تونس: 2012.01.13