إجماليّ مرّات مشاهدة الصّفحة

2012-01-13

الإعلامُ و السّلطة: معركةُ المصير


الإعلامُ و السّلطةُ: معركةُ المصيرِ
   الإعلامُ التّونسيّ اليومَ كالغريق الّذي يصارع أمواجا قمعِيّة عاتِية. كلّما طفا على السّطحِ يستنشق بعضَ الهواء جُرّ إلى ظُلُماتِ الصّمتِ الرّهيب أو مدائحِ العرشِ المهِيب. يُريدونَه ناطقا رسميّا بلسان الحكومة "الائتلافيّةِ" ظاهرا "الحزبيّةِ" باطنا. يُريدونَه "شيطانا أخرس" خائنا للحقِّ العموميّ الّذي اؤتُمِن عليه. يُريدونَه مَسْخا كما كان قبْلا. أمّا هو فينوءُ تحت أعباءِ الإرث الثّقيل عازِما على فكِّ القيودِ السّياسيّة القديمة المتجدِّدة الّتي ألجمتْ لسانَه وأربَكتْ خطاه وخَوّنتْ كلَّ خطابٍ حرّ نزيه مستقلّ يَصدر عنه، وما زالتْ تفعلُ بحماسةٍ  "ثوريّة" وشراسةٍ "شرعيّة" واعتدادِ "أغلبيّةٍ" غالبةٍ على أقلّـيّةٍ هي والعدم سواءٌ.
لا يُعقَل استنكارُ محاولةِ السّلطة بسْطَ يدها الطّولَى على مؤسّسات الإعلام العموميّ. فهذا من قبيل "الحتميّات". إنّ الإعلامَ والقضاءَ هما دوما أكثرُ المجالاتِ استهدافا لكَونِهما الأقدرَ على كسْرِ شوكةِ الاستبداد السّياسيّ: المكاشَفةُ تنزعُ الغشاوةَ عن بصرِ الجماهير، والمحاسبةُ تُسقِط تاجَ الألوهةِ عن بصيرةِ السّاسَة. مِن السّذاجةِ إذنْ توقّعُ رفْعِ الحظر تلقائيّا عن الإعلاميّين الخارجِين من قُمقم السّلطان. الواجبُ العملُ الدّؤوب على قطعِ اليدِ المعتدِية بالفضحِ الميدانِيّ والتّحليلِ العقلانِيّ وتكريسِ حرّيّة التّعبير ممارسةً لكونِها أولويّةً قُصوى لا تَقبل التّأجيلَ بحجّةِ "الفزّاعتيْن" الأمنيّة والاقتصاديّة، تَبتزّنا هذه وتلك بالتّناوبِ حينا والتّحالفِ سائرَ الأحيان. الواجبُ المهنِيّ أن نُسقِطَ القناعَ عن ازدواجيّةِ الخطاب واستبداديّةِ الأداءِ. إنّ "الانفلات الإعلاميّ"، على عِلاّتِه، هو الضّامنُ لـِ  "سُفُورِ" السّلطةِ قلْبا وقَالبا مهما تحجّبتْ وتنقّبتْ واستظلّتْ بالعصابات الّتي تنهال على المحتجِّين "فجأة" مِن حيث تَدري وتَحْسبُنا لا ندري.
الصّراعُ بين «الإعلاميّ» و «السّياسيّ» في تونس الثّورة أعسرُ ممّا بان إلى حدِّ الآن. إنّه صراعٌ طويلُ النّفَس لأنْ لا طوقَ نجاةٍ من الغرق في "طاحونة الحزب الحاكم" إلاّ سَلاطةُ اللّسان و جُموحُ القلمِ وطولُ الباعِ والذّراع في الصّنعة الإعلاميّة. "أمُّ المعارك" هذي وهبتْنا إيّاها الثّورةُ، والثّوراتُ أحداثٌ استِثنائيّة طارِئة يصنعُها التّراكمُ الجمْعيّ البطيء. هكذا لن يصيرَ الإعلامُ سلطةً رابعة مستقلَّة  إلاّ رغم أنفِ السّلطة التّنفيذيّة.
فوزيّـة الشّـطّي
                                تونس: 2012.01.13

2012-01-10

المعادلات الصّعبة


المعادلات الصّعبة
1-             "الإعلام الحكوميّ" = سوءُ تعبير، 
2-              "الخلافة الرّاشدة السّادسة" = زلّةُ لسان، 
3-              ضربُ الطّلبة والأساتذة المحتجّين أمام وزارة التّعليم العالي = حدثٌ معزول، 
4-             تخوينُ الصّحفيّين المطالبين بإعلام حرّ نزيه مستقلّ = خارجٌ عن نطاقنا، 
5-             إطلاقُ أيدي السّلفيّة المقنّعة في رقاب خلق اللّه العزّل = حقُّ الحكومة "الثّوريّة" على الرّعيّة الجامـِحة المتمرّدة...
الاستنتاج:   قل: هل من مزيد؟

فوزيّة الشّطّي
تونس: 10 جانفي 2012

    2012-01-02

    الأمن أوّلا و أخيرا

    الأمنُ: أوّلا و أخِيرا

     هو قبل الخبزِ، قبل الدّواءِ الشّافي، قبل الحرّيّـةِ المقبُورة و الكرامةِ المهدُورة. «الأمنُ» كلمةُ حقٍّ، لكن أُريد بها كلُّ شيء عدا الحقَّ. التّنصّتُ على هواتف المواطنين، إدانةُ الاحتجاجات، تجريمُ الاعتصامات، تقليمُ أظافر "الأنترنات"... سبلٌ لتحقيق الأمن المنشود في تونس -  ما بعد "الثّورة".
    اِعتصِموا قدرَ ما شئتم، لكنْ بحبلِ اللّه الّذي قبضْنا طرفيْه و تركنا لكم الباقي وَقُودا للمشانِق. اِعتصِموا حيثما شئتُم شرطَ أن تلتحُوا و تتبرقعْن، فالجامعاتُ لكمْ مِلكٌ مَشاع، و أنتم لنا يدٌ صَنَاع. اِحتجُّوا صباحَ مساءَ و أيّامَ العُطل و الأعياد، لكن ضدَّ جماليّةِ الفنّ و حرّيّةِ التّعبير و عُلويّةِ القانون، ضدَّ «الأقلّـيّةِ الضّالّة» داخلَ المجلس و «الأغلبيّةِ الضّالّة» خارجَه. مطبخُ «الدّاخليّة» مازال يُنتج نفسَ الأطباق بنفس البَهارات، فالذّائقةُ ما انفكّتْ على حالها زَيْنا و شَيْنا. أمّا البوليسُ السّياسيّ المفكوكُ البراغِي فقد حُلّتْ عُقدتُه و اتّسعتْ رقعتُه و قوِيتْ مِنعتُه. إنْ تنمّرتُم علينا رمَيناكم بحجارةٍ من سِجِّيل، صَليْناكم بالجريمةِ المنظَّمة المدفوعةِ الأجر الّتي لن يتلبّسَ بأبطالِها الجرمُ المشهودُ، أهْدَرنا دمَ أحلامِكم الجمْعِيّة كما يُذبِّح «سفّاحُو الخليج» الغزلانَ في جنوبِنا المستَباح بِمُباركة الرُّعاة الرّاشِدين. قائمةُ الممنوعات أطولُ مِمّا تتَّسعُ له صدورُنا الضّـيِّقةُ ذَرْعا بانفلاتِكم الثّوريِّ المزمِن الّذي سيَتكفّل الإرثُ الأمنِيّ التّلِيد بمصاريفِ علاجِه على الوجهِ الأكمل.
    نعمْ، ما يحدث لا يُمكن قبولُه تحت شعارِ الثّورة. فلا ثورةَ إلاّ تلك الّتي طلَّقتْنا بالثّلاثِ مِن السّجون و المنافي و الإقامة الجبريّة. نعمْ، الدّيموقراطيّةُ لا تعني الانفلاتَ الأمنِيّ. معناها الأوحدُ هو وصولُنا إلى الحكمِ المؤبَّد عبرَ الصّناديق النّزيهة الشّفّافة لم يجدْ إليها الباطِلُ مَنفذا. ما سوى ذلك فوضى غيرُ خلاّقةٍ لا تفضُل في شيءٍ الفوضى الأمريكيّةَ على الأرضِ العراقيّة.

    فوزيّـة الشّـطّي
    تونس: 2011.12.31


    2011-12-29

    أسف


    أسَـفٌ
    أسَفٌ بكِ عليكِ كأَسَى الثّكلَى راعَها احتِضارُ وليدِها البِكرِ الجمِيل، كَأسَى الغريقِ يَشدُّه القاعُ إليه و عيونُ الخلْقِ ترقبُه و لا تجودُ، كَأَسَى الطّفلِ الشَّريدِ تَلفَظُه العيونُ و تُفزِعُه الأيادِي و تُجرِّحُه الألسِنةُ و لا ذنْبَ إلاّ رِقّةُ النّفسِ و الجسدِ، كَأَسَى العاشقِ تَجُوعُ روحُه و تَعْرَى و تعْتلُّ يَأسا مِن رِضا حبيبٍ جَحُود نَفُور، كَأَسَى الحالِم الّذي اتّخَذَ الْجُمُوحَ مطِيّةً تنهلُ من الأرضِ فَوْرتَها و من السّماءِ مِنْعتَها فلا تَحطُّ الرِّحالَ و لا يسترِيحُ الْمُحاربُ...
    بِكِ عليكِ من الأسَى ما يُقِيل اللّغاتِ عجْزا و يُخرِسُها كَمَدا، بل ما يُثقِلُ المكانَ فيمُورُ و يُثقِل الزّمانَ فتخْتلُّ أوزانُه. بكِ عليكِ ما لا يُقالُ، و إنْ تسمَّى ألغزَ.
    فوزيّـة الشّـطّي
    تونس: 2000.08.26

    شعر: قرارٌ، 1999.


    v قَـــــــرَارٌ v

    نُشِر النّصُّ في موقع: 'ديوانُ العربِ 1917.3.30

    http://www.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article=46570

    يَا قَرارِي، خُذْ قَرَارَكْ

    صُنْ تُـخُومِي مِنْ عِثَارِكْ

    مِنْ جُـمُوحِي صُغْ شِعَارَكْ

    وَاكْوِ جُرْحَكْ، وَامْحُ عَارَكْ

    يَا قَرَارِي، خُذْ بِثَارِكْ

    شُدَّ أَزْرِي، فُكَّ أَسْرِي

    فِيكَ عِتْقِي

    وَاحْتِضَارِي فِي كُسَارِكْ 

    مِنْ كُلُومِي صُغْ دِثَارَكْ

    لُفَّ كَوْنِـي، تَاهَ مِنِّي

    تَاهَ لَيْلِي عَنْ نَهَارِي

    يَا قَرَارِي، لِدْ نَهَارَكْ

    قُدَّ شَـمْسًا مِنْ شُـمُوعٍ

    قُدَّ بَـحْرًا مِنْ دُمُوعٍ

    اِبْنِ مَهْدًا فِي قِفَارِكْ

    اُرْسُمِ الْأُسَّ لِدَارِي

    وَاجْعَلِ الْـحُلْمَ جِدَارَكْ

    كُنْ حَبِيبِـي، كُنْ جِوَارِي

    يَا قَرَارِي،

    كُنْ صَهِيلاً فِي قِفَارِي.

    v فوزيّـة الشّـطّي v

    v تونس: 1999.10.16 v



    عدسة: فوزيّة الشّطّي

    رثاء


    رِثَـاءٌ
     أنا لا أبكيكَ. إنّي أرثِي نفسي كما لم ترثِ الخنساءُ صخرا. وإنْ كان رثاءُ الأمواتِ ترحُّما شقِيّا على أرواحٍ استراحتْ في تربةٍ مّا فوأدتْ إلى الأبدِ الأملَ في لُقياها أو استعادتِها، فإنّ رثاءَ الأحياءِ أمرُّ مَذاقا وأجهَدُ لِلّغة... إنّه مزيجٌ من اللّوعةِ الواقعةِ ومن الرّجاءِ الخجُول. بل هو أشبهُ ما يكون بيائسٍ يشربُ كأسَ السُّمّ بيدٍ مرتعِشة راجِيا، إذ يتجرّعُ الموتَ، ألاّ يفعلَ فيه السّمُّ فعلَه في غيرِه. أو هو الغريقُ، لأنّه يجهلُ فنَّ العومِ يمضِي قُدُما إلى مُستقَرِّه الحتميِّ دون أن يكُفَّ عن خبْطِ التّيّارِ بذراعيْن منهوكتيْن تُجاهِدان لمعانقةِ سماءٍ قلَبتْ ظهرَ الْمِجنِّ وتبسّمتْ لصورتِها الرّاقصة على ظهْرِ الموجِ الْمُختال.
    فوزيّـة الشّـطّي
    تونس: 2000.03.09

    2011-12-22

    حكومة راشدة


    الحكومةُ الرّاشدةُ

    جيشٌ عرمرمٌ من الحقائبِ الوزاريّة. فاطمئِنّوا يا مُواطنِي تونسَ، بل ضعُوا في بطونكم بِطّيخا صيفيّا يقيكم قِرَّةَ هذا الشّتاء العاتِي. إنّ أولِي الأمر منّا قد استوعبُوا الحكمةَ السّائرة: «كلُّكم راع، و كلُّكم مسؤُولٌ على رعيّته».
    ما ستأخذه الحكومةُ المنتظَرة باليد اليُمنَى الممدودةِ ستُعطيه إيّانا باليد اليُسرَى المغلولةِ: سيتبرّع لنا حُمّالُ الحقائب بنسبةٍ هامّة من رواتبهم، سيعيشون على الكَفاف لأجل عيون الشّعب الكريم، سيجوعون لنَشبعَ، سيعرَوْن لنكتسيَ، سيَشِيدون مِن العدم ديموقراطيّةً، سيبعثون من اليَباب دولةً ما كانتْ و لن تكونَ إلاّ على أيدِي "الرّاشِدين" المعصومِين من صيْرورةِ التّاريخ.
    و كلّما أُمسِكتِ الحكومةُ متلبِّسةً بالجرمِ المشهود و هَمَّ «المجلسُ الوطنيّ التّأسيسيّ» الّذي يعلُو و لا يُعلَى عليه ليُحاسبَها و يُقلِّم بعضا من مخالبها، هَرَعتْ إليها "الأغلبيّةُ" الّتي تعلُو على ما لا يُعلَى عليه لتنتشلَها من قفص الاتّهام أنقى من ملائكة الرّحمان. هي ذِي الأيدي الغفيرةُ تُرفَع دفعةً واحدة مُنتشِية بالنّصر المبِين شامِتةً بالمهزومين. كأنّما هي بشرٌ آليّون مستنسَخُون بُرمِجوا على الولاء للحزبِ الأبِ، لكتلةِ الحكم المتغوِّلة، للسّلطانِ المؤبَّد، لا لشيءٍ سوى ذلك.
    مرّةً أخرى تطفُو "المعجزةُ التّونسيّة" على السّطح. لكن يُعكِّر صفْوَها أصحابُ "الصّفر بالمئة" المتآمِرون على «تحالُف» منشُورِ الطّويّةِ مفتوحِ الشّهيّةِ.
    فوزيّـة الشّـطّي
    تونس: 2011.12.20

    2011-12-19

    شعار: أقلّيّة وأغلبيّة


    نحنُ في الْمجْلس:
      
    أقَـلّـيّة
    نحنُ في الشّـارع:

     أغلـبِيّـة
    نحنُ:

     الشّعْب لا الرَّعِـيّة

    طقوس بِنعلويّة


    طُقوسٌ بِنْعلَويّـةٌ

        أبدتْ أحزابُ "ثلاثي الأثافي" لهفةً على السّلطة وعلى اقتسام غنائم الثّورة بأسلوبِ محاصصةٍ أعاد إلى الأذهان احتكارَ العصابة «الطّرابلسيّة والبنْعلويّة» لخيرات البلاد ودمِ العباد. حتّى إنّي أكاد أجزِم بأنّنا سنحتاج قريبا ثورةً ثانية للإطاحة بحكومة: "ضحايا الأمس - سادةِ اليوم - طغاةِ الغد".
        وإذا استحضرْنا ازدواجيّةَ خطابِ الفائز الأوّل وتبجّحَه المفرَط بكونه المتكلّمَ الأوحد على لسان صندوق الاقتراع حتّى كأنْ لا وجودَ لمن لم ينتخبْه لا في الوطن ولا في جنّات الخلد، واستحضرْنا إصرارَ الفائز الثّاني على عدم الالتزام بفترة العام سيرا على خُطى جماهير الملاعب "رابحون أو خاسرون ما نحن راحلون"، وتوعّدَه إيّانا بالتّرشّح للرّئاسة منذ حلولِه بالمطار وقبل أن يترحّمَ على الشّهداء الأحياءِ منهم والأموات، واستحضرنا انبتاتَ الفائز الثّالث عن عائلته الحداثـيّة التّقدّميّة وحرصَه على التهام ما تيسّر من فُتاتِ المناصب السّياسيّة... إذا استحضرْنا كلّ هذا أدركنا أنّ ثورتَنا مغدورةٌ مرّتيْن:
    - غدَرها أوّلا النّاخبُ الصّامتُ والمجاهِرُ بصوتٍ لا يرقى إلى الأهدافِ الثّوريّةِ الحقِّ،
    - وغدَرها ثانيا ساسةٌ لم يزدْهم "نضالُهم" السّابق إلاّ إدمانا على عشْق العرش الّذي حُرموا من احتلاله. كأنّما لم يحاربوا الاستبدادَ، إنّما حاربوا مَن استبدَّ بالسّلطان دونَهم.
        أمّا الثّورةُ فقد سُحب البساطُ من تحت أقدامها المتثاقلة والتفّتِ الأيادي العابثةُ حول عنقها الغضِّ وانقلبتْ أحلامُها أوهاما تُجنِّح ولا تحطّ على أرضنا المبارَكة. لكنّ ميدانَ التّحرير القاهريَّ يبعث إلينا رسائل مشفّرةَ العلامةِ صريحةَ الدّلالةِ، أهمّها: «الشّعبُ يريد صباحا مساء ويومَ الأحدْ إسقاطَ كلّ فاسد مستبدْ».

    فوزيّـة الشّـطّي
    تونس: 2011.11.22

    مقال: كشْطا لِصَدأ الذّاكرة، صدّام حسين.

    L كشْطا لِصدأ الذّاكِرة: صدّام حسين L
    [نُشِر: جريدة الشّعبُ، عدد: 952، بتاريخ: 12 جانفي 2008]

    لن نُضيف جديدا إذا قُلنا إنّ المحكمةَ الّتي أُوكِلتْ إليها مهمّةُ محاكمةِ الرّئيس العراقيّ السّابق السّيّد 'صدّام حسين' تفتقر إلى أدنَى شروطِ الشّرعيّة القانونيّة. وأوّلُ هذه الشّروطِ استقلالُ القضاءِ. فهذا شرطٌ مؤَجَّل إلى حين استقلالِ الدّولة العراقيّة نفسِها. وإنْ كان الاستقلالُ السّياسيّ شرطا لازما فهو في مطلقِ الأحوال غيرُ كافٍ. ولذا فالأحكامُ الّتي تُصدرها هذه المحكمةُ، أيّا كان تراكُمُ الأدلّة والشّهادات الواقعيّة أو المفتَعَلة، تظلُّ موضِعَ شكٍّ وارتياب لدى نسبةٍ هامّة مِن العرب وغير العرب بقطعِ النّظر عن مواقفهم الأخلاقيّة وعن انتماءاتهم المذهبيّة والسّياسيّة.
    لِـمَ اُختِير الإعدامُ إذن؟ ولِـمَ نُفِّذ في تلك الأجواءِ السّاخنة الـمُحتقِنة المستمرَّة والحالُ أنّ هذا الحكمَ جاهِزٌ قبل تشكيل المحكمةِ نفسِها؟
    تحتاجُ قوّاتُ الاحتلال الأمريكيّ أكثرَ مِن أيِّ وقتٍ مضَى إلى «ظلِّ انتصارٍ» تُلهِي به الرّأيَ العامّ المحلّيّ والعالميّ. فالإطاحةُ بِـ «الطّاغية» ومحوُ آثارِ عهده، حسب هذا التّمشِّي، لَم تذهبْ سُدًى. إنّما الإعدامُ مَغرِسُ شجرةِ الدّيموقراطيّة الّتي عليها أن تُورِقَ وإنْ تكنْ في غير تُربتِها وغيرِ مُناخِها. ومِن شأنِ هذا الإعدام الّذي فيه مِن التّشفِّي أضعافَ ما فيه مِن العدالة، أن يُسدِل ستارا، ولو شفّافا، على الضّريبة المفزِعة مِن الأرواح الّتي دفعها الغزاةُ والّتي دفَّعوها شعبَ العراقِ. ومِن شأن هذا الحكم أيضا، باعتباره لقطةً إشهاريّة ترهيبيّة، أن يُروِّج أحسنَ ترويجٍ الرّسالةَ التّالية: «اُنظُروا يا ساسةَ العالمِ الثّالثِ ما يَـجنِيه أعداءُ الإمبراطوريّةِ الأمريكيّةِ العُظمَى، إذْ لا مَفرَّ للرّؤوسِ الّتي أيْنعتْ مِن أنْ تُقطَفَ (1)، والعَاقلُ مَن اتّعظَ بِغَيرِه».
    هذا الحكمُ، إصدارا وتنفيذا، صورةٌ حيّة ثلاثيّةُ الأبعادِ لمشهدِ إسقاطِ تمثال الرّئيس السّابق عشيّةَ اجتياح بغداد. فكِلا المشهديْن مسرحيٌّ: إخراجُه أمريكيّ، وتمثيلُه عراقيّ، وإنتاجُه مشترَك. ولأنّ المشهديْن مِن مسرحِ الدّمَى المتحرّكة لَـمْ نجدْ رُوحا في الأداء عهِدناها راسخةً في بلاد الرّافديْن ولَـمْ نرَ عبقريّة في الإخراجِ كما قد عوَّدنا نجومُ هوليود (2).
    بعد مسلسلِ تنحيةِ القُضاة لتنصيب غيرهم، وبعد تصفيةِ بعضِ محامِي الدّفاع التّصفيةَ الجسديّة البشعة، وبعد إهانةِ المتّهَمين حتّى الطّردِ مِن قاعةِ المحكمة، وبعد تأجيلِ التّصريح بالحكم في سذاجةِ الجلاّد الحريص على العدل... بعد هذا وغيره يصدُر حكمُ الإعدامِ شنقا صدورا رسميّا. ولمزيد التّشفِّي حُرِم الرّئيسُ الرّاحل مِن رغبة الموت رميا بالرّصاص. قلَّ مَن فُوجئ بهذا الحكم لأنّه مِن جنس القرارات المعلَّبة.
    إنّ الغزوَ الأمريكيّ للعراق وما انْجرَّ عنه مِن تنكيلٍ بزعيمِ حزب 'البعث' الحاكم ومِن محاكمةٍ صُوريّة هزليّة له ومِن إعدامٍ مُهِين لشخصه وللذّات البشريّة عموما (3)، إنّ هذا الغزوَ قد أنقذَ الرّئيسَ الرّاحل مِن مصيرٍ أشنعَ وأقتمَ كان سيلقاه على الأرجح مِن الدّاخل العراقيّ. لقد صيَّره الاحتلالُ الأمريكيّ مِن حيث لا يدري ولا يُريد «بطلا» وطنيّا وقوميّا عند نسبةٍ هامّة مِن العرب داخلَ العراق وخارجَه. والشّاهِدُ على ما نقول هو الأسَى العامُّ في ذلك «العيدِ الْمُرِّ» [عيدِ الأضحى الّذي تزامنَ مع تنفيذ الإعدام].
    سيحفظُ التّاريخُ للرّاحلِ 'صدّام حسين'، شِئنا أم أبيْنا، أنّه لَـمْ يُسلِّمْ مفاتيحَ بغداد للمغُول الجدُد وأنّه صارع حتّى الرّمقِ الأخير وأنّه ظلَّ وهو يُواجِه تهمةَ الإبادةِ الجماعيّة للأكراد وغيرَها مِن التّهم أفصحَ مِن قُضاتِه وأبلغَ مِن مُحاميه وأجرأَ مِن أعدائه السّافرين والملثَّمِين حتّى وهو مغلولُ اليدِ واللّسان.
    أثناءَ مسلسلِ المحاكمةِ الّذي عُرِضتْ بعضُ لقطاته المنتقاة على الرّأيِ العامّ لَـمْ نُشاهِدْ طاغيةً أو سفّاحا ولا حتّى مُصابا بجنون العَظمَة [وما أكثرَهم في عالمنا الموسوم بِـ 'الثّالث']. لقد أدّتِ المحاكمةُ إلى نقيضِ ما جُعِلت له لأنّها انتهتْ إلى وضْعِ القُضاة ومُسيِّريهم في قفص الاتّهام الّذي مِنه خرج المتّهَمُ الرّئيسُ «مُكلَّلا بتاجِ الشّهادة».
    هذا الإعدامُ مُوجَّه بالأساس ضدَّ أنصارِ الرّئيس الرّاحل في السّرّ والعَلَن، ضدَّ أمْنٍ عراقيّ ما يزال في حيّزِ الإمكان أو حيّز الآمال، ضدَّ أيِّ توافُقٍ نفسيّ وسياسيّ بين السّنّة والبعثيّين من جهة وبين الشّيعة والأكراد مِن جهة ثانية خاصّةً بعد أنْ هلّل هؤلاء لسقوط «الطّاغية» تِمثالا وإنسانا ولإعدامِه حُكما وتنفيذا.
    إذا كانتْ غايةُ الغُزاة مِن إعدام السّيّد 'صدّام حسين' هي «فرِّقْ تَسُدْ»، فقد فرّقُوا الشّتاتَ العراقيّ مذْ وطَنُوا بلادَ الرّافديْن، ولكنْ لَـمْ يسودُوا. وإن كانتِ الغايةُ هي تصفيةُ النّزاعات الإقليميّة على الأرض العراقيّة، فإنّ تنفيذَ هذا الحكمِ المتهوِّر [بالمعنى السّياسيّ للتّهوُّر] سيزيد النّزاعَ اشتِعالا بما يجعلُ أرضَ العراق مجرّدَ بؤرةٍ للحريق وبما يجعل الغُزاةَ  مُشعِلِي الفتنة يصطلون بدخانِها إنْ لَم نقلْ بلهِيبها.
    ليس ذاك الإعدامُ الّذي عَدِمَ العدالةَ القانونيّة والسّياسيّة والأخلاقيّة إلاّ إسقاطا ثانيا للتّمثالِ... لكنْ الحيِّ هذه المرّةَ.
    الهوامش:
    (1) هذا تحريفٌ لعبارة 'الحجّاج بن يوسف' [660م-714م]«أَرَى رُؤُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَحَانَ قِطَافُهَا». وَلِـيَ الحجّاجُ العراقَ في عهد الخليفةِ الأمويّ الخامس 'عبد الملك بن مروان'. والعبارةُ مِن خطبةٍ له في أهل العراق.
    (2) لا نقصدُ مِن هذه المشابهة أيَّ استنقاص مِن قيمة مسرح الدّمَى المتحرّكة. فله ولأهله كلُّ التّقدير والاعتذار.
    (3) تقولُ أرجحُ الرّوايات وأقربُها إلى خفايا الكواليس أنّ الغزاةَ هم مَن صوّروا مشهدَ الإعدام وروّجوه وركّبوا عليه أصواتَ الشّامتين.
    L فوزيّـة الشّـطّي L
    تونس: 2007.12.31


    صورة مِن النّات