إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2011/09/26

في الوحَل


في الوَحَـلِ
الثّورةُ التّونسيّة تعيش مأزقا جدّيّا. مرّتْ سريعا فرحةُ إسقاط رأس النّظام. وعدنا إلى الوحل نتخبّط ولا نكاد نُحقّق خطوةً فعّالة إلى الأمام. أربابُ "دولة الفساد والاستبداد" يمسكون بخناقنا كأنّ اليومَ هو الأمس. وخوفي عظيمٌ لو ثبتَ لي أنّ الغدَ نسخةٌ مشوّهة منهما. مناضِلو "سنوات الجمر" انخرطوا في اللّعبة القذرة واغترفُوا منها خيرا عميما. والشّعبُ الكريم مازال ينتظر المعجزةَ كما اعتاد أن يفعل: مغلولَ اللّسان، مكتوفَ اليدين، مشلولَ الحركة. وأنا ما زلتُ أرقب معجزة أخرى: هي أن يكفَّ شعبي عن انتظار وهمِ المعجزة.
فوزيّة الشّـطّي
تونس: 2011.09.26

2011/09/21

إرهابيّة و أنفي في الرّغام


إرهابيّة وأنفي في الرَّغام
إيطاليا: أوت 2008
    
    في سوق أسبوعيّ بأحواز مدينة "بيرودجا" تبادلتُ حديثا قصيرا مع بائعة عسل بيولوجيّ. كانت معي لطيفةً خدوما طلْقةَ الْمُحيّا. أبدتْ استعدادا لمساعدتي في انتقاء الْعسل الْأنسب. وسرعان ما دفعها فضولُ الشّعب الْإيطاليّ الْودود إلى أن تعرفَ من أكون مدّعيةً أنّها تريد أن تكلّمنِي باللّغة الّتي أفهم مادامتْ إيطاليّتِي الْمتعثّرةُ تعطِّلُ تواصُلَنا. أجبتُ: «عربيّةٌ مسلمةٌ من تونسَ». فردّتْ دون أن يرفَّ لها جفنٌ: «Non hai niente d’arabo». أي: «ليس فيكِ من العرب شيءٌ». ثُمّ أشاحتْ بوجهها عنّي، وتشاغلتْ بتنضيدِ بضاعتها، وغاضتِ الابتسامةُ الْعريضةُ مِن على وجهها بأسرعَ مِمّا ظهرتْ. أردفتْ بعد صمتٍ قصير بلهجةِ مَن يريد أن يضع حدّا للحديث مع "الْمشبوهين": «كلُّ الْعربيّات مُتّشحاتٌ بالسّواد من أعلى الرّأس إلى أخمص الْقدميْن». وقالت كلاما آخر لا أستحضرُ لفظَه، فيه إقرارٌ بأنّ نساءَ الْعرب جميعَهنّ "قروسطيّات" هيئةً وسلوكا ونمطَ حياة.
   حاولتُ الدّفاعَ عن التّنوّعِ الّذي يحتضنُه مجتمعُنا والْإقناعَ بأنّ أولئك النّساءَ فئةٌ منّا ولسنَ الْمُمثّلَ الشّرعيَّ الْوحيدَ لنا. لكنَّ بائعةَ الْعسل لا تكاد تسمعنِي، بل لا تريد أن تبدِّل من مسلَّماتِها شيئا. هيمنتْ على قسماتِها الْمتوسِّطيّة الْمليحة أماراتُ الصّدمة والصّدِّ والْقرفِ. اِنتهتِ الْمحاورةُ بالضّربة الْقاضية لمجرّدِ كوني أنتمي إلى قومٍ وُسِموا بالإرهاب كهولا وشبابا وأطفالا وأجنّةً. لا بريءَ بيننا. حتّى مَن سقطَ منّا ضحيّةَ الإرهابِ الْمحليّ هو مُدانٌ كجلاّده. الْقاتلُ والْقتيلُ سيّانِ حسْب الرّؤية الْغربيّة الرّسميّة والشّعبيّة.
   ليستْ هذه المرّةَ الْأولى الّتي يستهدفُني فيها الْعداءُ الْغربيُّ مِن أجل "انتمائي الْعربيّ الإسلاميّ". بيد أنّها الْمرّةُ الّتي آلمتني أكثر من غيرها. جرح كبريائي ما فيها مِن صَفاقةٍ و قسوةٍ و شماتةٍ. أحسستُ أنّ بائعةَ الْعسل تثأر لنفسها مِنّي، مِن اجتياحِ "الْمُلثَّمين" لمحيطها الاجتماعيّ الشّفّاف، مِن الْقلق النّفسيّ الْجمْعيّ الّذي يسبّبُه هؤلاء الْغرباءُ الْمحمَّلون على زوارق الْموتِ المقتحمُون الْيابسةَ عُنوةً. ثمّ إنّ انقلابَها السّريع يؤكّد كمْ نجحَتْ "جماعاتُ الضّغط الصّهيونيّة" في الاستحواذ على الْإعلامِ الْغربيّ و كمْ فشلنا بالْمقابل في ردّ التُّهَم الْجاهزة أو في إيقاف الْمدّ الْعنصريّ الْمتصاعِد ضدّنا. هزمَنا الصّهاينةُ في عُقر دارنا، و نكّلوا بنا في ديار الْحلفاء. طاردونا حتّى في الشّتات الّذي ألقوْا بنا فيه. فالْخوفُ من انفضاحِ "الْأساطير الْمؤسِّسة لدولة «إسرائيل»" و الْحرصُ على تزوير تاريخ الشّرق الْأوسط لا يتركان شاردةً و لا واردة. الْكلُّ يعملُ مستثمِرا أطماعَ السّاسة مستغلاّ نقاطَ ضُعف الْمواطن الْبسيط الْباحثِ عن الْأمن بحثَه عن الخبز.

فوزيّة الشّـطّي
تونس: 2011.06.25

2011/09/17

في أسْرِ اللّغاتِ، شعر

فِي أَسْرِ اللّغَاتِ
[نُشرت في مجلّة "الوطن العربيّ عدد: 1184، بتاريخ: 1999.11.12]
 [نُشرت في موقع "ديوان العرب": 11 تمّوز/جويلية 2013]

وَتُفْلِتُ مِنِّي الْمَعَانِي
كَسِرْبِ غَزَالٍ طَرِيدْ
كَرُوحٍ تَعَالَتْ إِلَى الرّبِّ قَسْرًا
لِتَشْكُوهُ أطْوَاقَ جِسْمٍ بَلِيدْ
وَيَنْكَمِشُ اللَّفْظُ غِرّا كَسِيرًا
يَلُمّ الشّتَاتَ... وَيَرْثِي الْفَقِيدْ
وَيَرْثِي مِنَ النّفْسِ بُقْيَا قَوَامٍ
خَوَاءٍ، تَمَزّقَ مِنْهُ الْوَرِيدْ
يَنُوءُ بِحِمْلِ النِّقَاطِ الْيَتَامَى
وَيَشْقَى بِلَفْحٍ ألِيفٍ عَنِيدْ
يُجَرِّحُهُ السِّينُ سَيْفا سَلِيلاً
وتَقْذِيهِ عَيْنٌ كَشَرٍّ لَبِيدْ
فَيَهْجُرُ مَثْوَاهُ لَفْظِي الْخَرَابُ
إِلَى الرّوحِ يَسْعَى بِوَكْلِ الْمُرِيدْ...
وَتَهْرُبُ عَنِّي اللّغَاتُ
كَنَجْمٍ عَنُودٍ تَسَاقَطَ أنّى يُرِيدْ
قَطِيعًا يُقَفِّي تُخُومَ الْقِطَاعِ
كَأسْرَابِ مَوْجٍ تَآكَلَ كَيْ لاَ يَحِيدْ
وَتَخْفِضُ أبْصَارَهُنّ الْمَرَايَا
عَنِ الْفَجْعِ يَنْهَشُ وَحْيًا كَسِيدْ
عَنِ الْعُدْمِ يَقْتَاتُ كَوْنًا جَهِيضًا
عَنِ الصّمْتِ سَاطَ اللِّسَانَ الْفَسِيدْ.
عَلَيّ يَنُوحُ الزَّمَانُ السّبِيّ
كَخَنْسَاءَ بَكَّتْ خُيُولَ الْفَقِيدْ
يُعَدِّدُ أوْجَاعَ مَهْدِي الذَّهُوبِ
يُنَاجِي بِصَمْتٍ شَبَابِي الشّهِيدْ
وَيَنْبَجِسُ الشَّخْصُ فِيّ خَسِيرًا
يَلُمّ شَتَاتَهْ بِذُلِّ الطَّرِيدْ
يَشُدّ الرِّحَالَ، يُقَوِّي رِكَابَهْ...
لُغَاتٌ تَعَالَتْ كَرَبٍّ مُغِيثٍ
إِلَيْهَا الْمَعَادُ بِوَكْلِ الْمُرِيدْ.

فوزيّة الشّـطّي
تونس: 1999.02.14


لا أرى، شعر

 لاَ أَرَى
لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ نُورٌ
كَيْ أَرَى ظِلَّ الْإِلَهْ.
نَامَتْ مَصَابِيحُ الشَّوَارِعِ، كنَّسَتْ فَيْضَ الْأَنِينْ
وَأَوَتْ بَيْتًا عَقِيمْ
لَيْسَ فِي الْحَيِّ سِوَاهْ.
وَتَعَثَّرَتِ الْمَسَافَةُ مِنْ إلَى
نَامَتْ سَؤُومًا فِي مَضَاجِعَ مِنْ حِجَارٍ لاَ تَلِينْ
وَلِحَافٍ لاَ يُبِينْ
عَمَّا فِي جَوْفِ الْقَدَرْ.
لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ نُورٌ
كَيْ أَرَانِي... كَيْ أَرَاهْ
وَالْمَرَايَا لاَ تَرُدُّ إِلَيَّ وَجْهِي
شَفَّهَا ظِلُّ الصُّوَرْ
بَعْثَرَتْ وَجْهِي شَظَايَا الْهَمِّ وَالبُؤْسِ الْمُقِيمْ.
لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ نُورٌ
يَسْتَضِيءُ بِهِ جُنُونِي وَافْتِقَارِي
لِرَذَاذٍ مِنْ خَيَالٍ أوْ مَطَرْ
لِرَذَاذٍ مِنْ حَيَاهْ.
آهِ مِنْ ظِلٍّ يُرَاوِغُ.. لَمْ يُقَاسِـمْنِي الطَّرِيقْ
آهِ مِنْ خَطْوٍ كَسِيحٍ.. لاَ وَرَاءَ، لاَ أمَامَ
مِنْ تَهَافُتِ هَامَتِي ظِلِّي هَشِيمْ
هَامَتِي عِبْءٌ رَكِينٌ.
هَامَتِي عَبْثُ الْقَدَرْ.
لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ نُورٌ
كَيْ أُجَدِّلُ شَعْرَ أَحْلاَمِي
وأيَّامِي الْكَبِيسةِ وَالْحَبِيسَةِ وَالشَّقِيَّهْ
كَيْ أُصَلِّي لِـجُنُونِي الْمُسْتَنِيرِ
لِبَقَايَا فِي الزِّحَامْ.
لَمْ يَكُنْ فِي الْبَيْتِ نُورٌ
كَيْ أُعَانِقُ مَا يُرَى رَأْيًا وَرُؤْيَا
كَيْ أَرَى وَجْهَ الْإِلَهْ
كَيْ أَحُلَّ فِي الإِلَهْ.
فوزيّة الشّـطّي
تونس: 2007.03.30


رأيٌ في الزّمن المدرسيّ

رأيٌ في الزّمنِ المدرسيِّ:
تعديلُ الزّمن المدرسيّ مجرّدُ خُطوة في الاتّجاهِ الصّحيح
[نُشر في "الموقف": 2010.05.14، عدد: 546]
  
  كثُرَ الحديثُ في وسائلِ الإعْلامِ المتنوِّعةِ عنِ الاسْتشارةِ الوطنيّةِ حول "الزّمن المدرسيّ". ولأنّه لَمْ يستشرنِي أحدٌ ولوْ على سبيلِ المَجازِ فقدْ قرَّرتُ أنْ أستشيرَ نفسِي على الحقيقةِ. وها أنا أفكِّرُ بصوتٍ عالٍ علَّ صوتِي يصِلُ بعضَ الأسْماعِ.
1-           تقسيمُ العامِ الدّراسيّ:
  أثبتَ نظامُ الثلاثيّاتِ فشلَه الذّريعَ بعد سنواتٍ مِن تطبيقِه: فقسمةُ العامِ الدِّراسيِّ قسمةً ثلاثيَّةً جَعلتِ المدرِّسَ والمتعلِّمَ يُسابقان الزّمنَ الضّيِّق الخانق خاصّةً مع الموادِّ الّتِي يُطلَبُ فيها إنجازُ فرضيْن عاديّيْن وفرضٌ تأليفيٌّ كُلَّ ثلاثيّةٍ. إذْ يكادُ المتعلِّمُ يُمتحَنُ بقدرِ ما يتلقَّى مِن دروسٍ. وهذا الضَّغطُ يجعلُ هاجِسَ الجزاءِ أطْغَى على العَمليّةِ التّربويّةِ مِن هاجسِ التّكوين. أيْ إنّه يقلِبُ الآيةَ قلبًا مُحرِِّفًا. فالجزاءُ بِلا تَكوينٍ مَتينٍ مُنتظِمٍ مُريحٍ هو كالْحَفرِ على الرُّخامِ بِقَشَّةِ تِبْنٍ.
  لِذا أَقترحُ أن يعودَ نظامُ السُّداسيّتيْن وأن يُفصَلَ بينهما بعطلةٍ مِن أسبوعين تُمنعُ فيها الدُّروسُ الخصُوصيّةُ والإضافيّةُ مَنعًا باتًّا حتَّى تؤدِّيَ العطلةُ دورَها الحقيقيَّ: هو الرّاحةُ الذهنيّةُ وتجديدُ الطّاقةِ. وكيْ يكونَ هذا المنعُ منطقيّا يجبُ مراجعةُ تضخُّم البرامجِ بِما يُصيِّرها مُنسجمةً مع المدَى الزَّمنِيِّ المْحدَّدِ لها أصْلاً ومُتلائمةً مع التَّدنِّي الكارِثيِّ لِمستوَى تلاميذِنا. وفي منتصَفِ كلِّ سداسيّةٍ تتمتَّعُ المدرسةُ بعطلةٍ تدومُ أسبوعًا تكونُ فاصلةً بين فترتَيْ الفروضِ العاديّة والفروضِ التّأليفيّة إنجازًا وإصلاحًا.
  أرجُو أن تُلغَى ما تُسمَّى الآن "عطلة منتصَف الثّلاثيّ" الّتِي تدومُ أربعةَ أيَّام [بحسابِ يوم الأحد] لأنّها تُوقِعُنا في التّفاوُتِ المخِلِّ وغيرِ العادلِ بين الأقسامِ وبين الموادِّ. إذْ تُحرَمُ الأقسامُ الّتِي تَدرُس في النّصفِ الثّانِي من الأسبوعِ مِن دُروسٍ تلقَّتْها أقسامٌ أخرَى في الأيّامِ الثّلاثةِ الأولى مِنَ الأسبوعِ نفسِه. وهذا يُسبِّبُ عدمَ التّوازُنِ بين الأقسامِ الّتِي مِن نفسِ المستوَى ويُربِكُ الفُروضَ التأليفيّةَ الموحَّدةَ . ثُمّ إنَّها عُطلٌ غيرُ مُجديةٍ وغيرُ مُريحةٍ.
2-           أيّامُ الأسبوعِ الدّراسيِّ:
  حانَ الوقتُ للأخذِ بِنظامِ الأيّامِ الخمسةِ. فالرّاحةُ الأسبوعيّةُ الحاليّةُ قصيرةٌ جدًّا لا تَفِي بالغرضِ منها. إذْ تَتنازعُها ملاعبُ كرةِ القدمِ والحمّاماتُ العامّةُ والشّؤونُ المنْزليّةُ وما شابَهَ. وقد اُقترِحَ في وسائلِ الإعلامِ يومان: الأَربعاءُ لأنّهُ يَقعُ في مُنتصَفِ الأسبوعِ الدّراسيِّ والسّبتُ لأنّهُ يسمحُ بعطلةِ نِهايةِ أسبوعٍ أطولَ. وأرَى أنَّ الأخذَ بالاقتراحيْن معًا هو أفضلُ الحلولِ. يُمكنُ إذنْ تَوزيعُ يوميْ الرّاحةِ الإضافيّةِ توزيعًا دوريًّا على المؤسّساتِ التّربويّةِ حسْبَ موقعِها الجغرافِيِّ. أيْ إذا كانتِ المؤسّستان [أ] و [ب] مُتجاورتيْن جغرافيًّا يَحسُنُ أنْ تَنالَ كلٌّ منهما يومَ راحةٍ مُختلفٍ تَتداوَلانِ عليهِ: فالمؤسّسةُ الّتِي حظِيتْ بِالسّبتِ هذا العامَ يكونُ الأربعاءُ نصِيبَها العامَ المقبِلَ. وهكذا دواليك. عسَى أنْ يُساهمَ ذلك في تَخفيفِ اكتظاظِ وسائلِ النّقلِ العموميّة ولو يوميْن مِنَ الأسبوعِ. وليسَ هذا بِالقليلِ. وضمانًا لِلعدلِ بين كلِّ المؤسَّساتِ التّربويّة يَجوزُ اعتمادُ رزنامةٍ تضبِطُها الإداراتُ الجهويّةُ للتّعليمِِ. وأعتقدُ أنّ هذا الخيارَ سيُسهِمُ في تنويعِ الزّمنِ المدرسيِّ الرّتيبِ رغمَ ما سيُحدِثُه في البدايةِ مِن اضطرابٍ وقتِيٍّ.
  يَنبغِي أنْ يُخصِّصَ يومُ الرّاحةِ الإضافِيَّ للنّشاطِ الثّقافِيِّ والرّياضيِّ داخلَ المؤسّساتِ التّربويّة. عَلَّنا بذلك نَجعلُ تلاميذَنا يُقبِلون بِحُبٍّ وحماسٍ على الحرمِ المدرسيِّ ولَوْ يومًا واحدًا مِن كلِّ أسبوعٍ. فمَن يدرِي؟! قد تنتشرُ عدوَى الحماسةِ بينهم وتصيرُ المدرسةُ مَلاذا يَعوذُون بِها مِن عُقْمِ محيطِهم العائليِّ والاجتماعيِّ حتّى في باقِي الأيّامِ الدّراسيّةِ. لا حاجةَ إلى التّذكير بِما سيتطلَّبُه هذا النّشاطُ مِن حرِّيةٍ مَسؤُولةٍ وإطارٍ مُختصٍّ وأدواتِ عملٍ.
  سيكونُ مِن المخْجِلِ في العَشريّةِ المقبلةِ أنْ تَخْلوَ مؤسّساتُنا التّربويّةُ مِن كُتبِ المطالعة، مِن إصدارٍ إبداعيٍّ تلمَذيٍّ، مِن نوادِي المسرحِ المدرسيِّ، مِن تقنياتِ العرضِ السّينمائيِّ... ولْيعلَمْ مَن يُنظِّرُ لاسْتنسَاخِ النّموذجِ التّعليميِّ الغربِيِّ أنَّ المدارسَ الابتدائيّةَ هناك تُصدرُ مجلاّتِها الخاصّةَ في طبعاتٍ أنيقةٍ جدّا. بَلْهَ المدارسَ الإعداديّةَ والثّانويّةَ.
3-           توزيعُ الحصصِ الدّراسيّةِ:
  يَصعُب في الوقتِ الحالِيِّ اتّباعُ نظامِ الحصّةِ الواحدةِ على الصّعيدِ الوطنِيِّ. لكنَّ تخفيفَ اليومِ الدّراسيِّ ضرورةٌ مُلحَّةٌ. فالتّلميذُ الّذي يُنهِي يومَه السّادسةَ مساءً لِيستأنفَ غدَهُ الثّامنةَ صباحًا هو كالْمَحْكومِ عليه بحمْلِ صخرةِ "سيزيف" إلى قمّة جبلٍ كلّما بلغَها تدحْرجتْ به إلى السّفحِ البعيدِ الغَورِ. أرَى بناءً على تجربتِي المتواضعةِ أنْ يَنتهيَ اليومُ الدّراسيُّ عندَ الخامسةِ مساءً كحدٍّ أقصَى. ويُمكن أن تُمنحَ المؤسّسةُ التّربويّةُ حقَّ تقديمِ هذا التّوقيتِ إذا سَمحتْ بذلك ظروفُها الدّاخليّةُ والاجتماعيّةُ والمناخيّةُ. فكثيرةٌ هي المدارسُ الرّيفيّةُ الّتِي تَستطيعُ الاكتفاءَ بِنظامِ الحصّةِ الواحدةِ أو ما يُشابِهُه لِقلّةِ تلاميذِها وتَباعُدِ منازلِهم وقسْوةِ المناخِ قَرًّا أو حَرًّا.
  يَجبُ منعُ إداراةِ المؤسّساتِ التّربويّةِ الإعداديّةِ والثّانويّة مِن إدْراجِ حصصِ السّاعتيْن المُسترسِلتيْن منعًا قانونيًّا حازمًا إلاَّ عند الضّرورةِ القُصوَى [إنجاز الفروضِ الّتِي تَدومُ ساعتيْن مثلاً]. إذْ لا تَكفِي دعوةُ الإدارةِ بكلِّ لُطفٍ إلى تجنُّب ذلك الخلَلِ البيداغُوجيِّ ما أمكنَها. فغَالبا مَا تُدرَجُ هذه الحِصصُ بشكْلٍ اعْتباطيٍّ أو كَيْدِيٍّ يُهوِّنُ العملَ علَى مُعِدِّ جَداولِ الأوقاتِ أيّامًا قلِيلةً ويُعسِّرُه على التِّلميذِ والأستاذِ أشهرًا مرِيرةً. أمّا إذا كانتْ هذه الحِصصُ مَسائيّةً فإنّها تَصيرُ عذابًا حقِيقيًّا، يأتِيها التّلميذُ مُتثاقِلاً مُتثائبًا في أحسنِ الأحوالِ وثائرًا مُحتجًّا مُستعِدًّا للنِّزاعِ في أسوئِها. وكثيرًا ما يبحثُ عنْ الخَلاصِ مِنها دافِعا الأستاذَ إلى إرَاحةِ الدَّرسِ مِن شرِّهِ دَفْعَ العامِدِ المتقصِّدِ.
  نُضيفُ إلى ذلك أنَّ خروجَ التّلاميذِ في منتصَفِ حصّةٍ مِن ساعتيْن مُسترسِلتيْن أمرٌ مَمنوعٌ قانونا حسْبَ ما تدّعِي الإدارةُ. إنْ صَدَقَ ادِّعاءُها فالقانونُ غالِطٌ إنسانيًّا وعلميًّا وتربويًّا لأنّه لا يُراعِي مدَى قدرةِ المتعلِّمِ النّشْءِ على التّركيزِ. وهي فيمَا أعلمُ لا تتجاوزُ خمسًا وأربعينَ دقيقةً عندَ التّلميذِ العاديِّ. وأغلبُ تلاميذِنا، و لله الحمدُ، دونَ المستوَى العاديِّ بكثيرٍ. فما أساسُ شرعيّةِ هذا القانونِ؟
  وإنْ كان ادِّعاءُ الإدارةِ باطِلاً فقدِ ابتدَعتْهُ لِسببيْن على الأقلِّ. أوّلاً: كيْ تُعفيَ بعضَ أعوانِها ومُوظَّفِيها مِنْ مجهودٍ مهنِيٍّ إضافِيٍّ، وعلى المدرِّسِ أنْ يُراقبَ تلاميذَه أثناءَ استراحةٍ وهْميَّةٍ داخلَ قاعةِ الدّرسِ. ثانيًا: كيْ يُمارسَ بعضُ المسؤولِين الإداريِّين سياسةَ الكَيلِ بِمكياليْن، إذْ يسمحُونَ بِخُروجِ التّلاميذِ مَا بيْن السّاعتيْن إذا كانَ مُدرِّسُهم "مَرْضِيًّا عنه" يرُدُّ الْمَزِيَّةَ أضعافًا مُضاعَفةً. وبِالْمُقابلِ يُحرَمُ تلاميذُ المدرِّسِين "المغضوبِ عليهم" مِن تلك الاستراحةِ الضّروريّةِ مَنعًا عنيِفًا. هذا الْحَيفُ رافدٌ مِن روافدِ العُنفِ التّلمذيِّ الّذي يُعطِّلُ العمليّةَ التّربويّةَ ويُشوِّهُ مقاصِدَها. إنَّ النّصَّ القانونِيَّ الحازمَ هو الكفِيلُ بِردِّ الأمورِ إلى نِصابِها خاصَّةً وأنَّ مطلبًا كَهذا يَتوافقُ مع منظومةِ حُقوقِ الطِّفلِ الّتِي تَتبنَّاها بلادُنا. لِيَكُنِ الحقُّ في المدَى الزَّمنِيِّ المعقولِ لِحصَّةِ الدَّرسِ بِمنْزلةِ الحقِّ في الدّرسِ نفسِهِ.
  تعديلُ الزّمنِ المدرسيِّ هو رُكنٌ رئِيسٌ في مشروعِ الإصلاح ِالتّربويِّ. لكنّه مجرّدُ خُطوةٍ في الاتّجاهِ الصّحيحِ يجبُ أنْ تَتلوَها خُطواتٌ عِدّةٌ تُرهِفُ السّمعَ لِنواقيسِ الخطرِ الّتِي تَدقُّها المؤسّساتُ التّربويّةُ التّونسيّةُ شَمالاً وجنوبًا شرقًا وغربًا. 

فوزيّة الشّـطّي
تونـس: 2010.04.24                          

     
                                                                                                                                                                                                      

قاطِعوا أحزابَ الأمّـيّة


قَاطـِــــــــعُوا أحـزابَ الأمِّـــــــــــــــــــــــــــــــــيّةِ
تعمّدتِ «الهيئةُ المستقلّة للانتخابات» أن تعتمدَ الدّارجةَ أداةَ تواصلٍ مع الجمهور التّونسيّ شفويّا وكتابيّا. تكون بذلك قد تفوّقتْ في الاستهانةِ بالعربيّة الفصحى حتّى على "بن عليّ" نفسِه الّذي أدمن ارتكابَ خطيئتيْن: أن يثأر لأُمِّـيّته من لغتنا وأن يُنفِّذ مشروعَ "العَمالةِ الثّقافيّة". فهو لم يجرؤْ على تجاهُل الفصحى في مثل هذه المقامات. لذا جاءتْ حملاتُه الانتخابيّةُ فصيحةً على خواءِ مضامينها.
أوّلُ أُسسِ المشروع المذكور القضاءُ التّدريجيّ على لغةِ الحضارة والانتماء بسحبِ البساط من تحت أقدامها وتعويضها بالدّارجة المحلّيّة. يتِمّ الأمرُ بحجّة تبسيط المعلومة في انتظار أن تحتلَّ الفرنسيّةُ أو الأنقليزيّةُ مواقعَ العربيّة المدحورة كَرْها من أرضها ومن ذاكرة أهلها. فالسّماعُ أبو الملَكات، والعيانُ لا يحتاج إلى البيانِ.
وعلى منوالِ «الهيئةُ المستقلّة للانتخابات» نسجتْ بعضُ الأحزابِ المتنافسةِ في انتخابات "المجلس الوطنيّ التّأسيسيّ" حتّى تفوّقتْ عليها بقصَب السّبقِ في ما نسمّيه "نشر الأمِّـيّة العمِيلة". وأرتْنا لافتات فخمةً تتصدّرُ الشّوارعَ: الدّارجةُ أداتُها، والضّحالةُ سِمتُها، والشُّبهةُ دُرُّها المكنونُ  المفضوحُ. هذه الأحزابُ تُدِينُ نفسَها إذْ تُثبت لنا أنّ الغايةَ عندها تُبرّر كلَّ وسيلةٍ. ولنيلِ العرش ستُضحّي بدمنا ولحمنا وعِرضنا... كما ضحّتْ اليومَ بلُغتنا.
لذا أتبنّى حملةَ مقاطعة الأحزابِ الّتي تعتمدُ الدّارجةَ في حملاتها الانتخابيّة الحاليّة والمقبِلة. أمّا التّعليلُ:
1- بسلوكٍ أبْـيَنَ من فلَقِ الصّبح تعبِّر هذه الأحزابُ عن انبتاتِ أصحابها وعن نزعتهم "الفرنكفونيّة" اللاّمشروطة. إرضاءُ "السّـيّد" الغربيّ عندهم أوْلى بكثير مِن الوفاء لانتمائهم. أدْمنوا وصايتَه عليهم، ونالوا الثّمنَ جزيلا في المجال اللّغويّ كما في غيره. الأكيدُ أنْ يُحتفَى وراءَ البحار بمجهودهم الجبّار في نشر "المدَنيّة - التّغريبيّة". أمّا هذه التّربة فإنّي أراها تَعافُهم وتَلفَظُهمْ.
2- هذا السّلوكُ الـمُشِين الـمُهِين يُثبِت أنْ لا ثقةَ في السّاسة حاكمين مستبدِّين كانوا أو معارضين مضطهَدين أو طامعين في السّلطة. لا أمانَ معهم، فمصالحهم هي الخصمُ والحكَم. لَكَمْ شتمُوا أمّـيّةَ "بن عليّ" وسخِروا من ضحالة شهائده العلميّة. لكن بمجرّد أن وقفوا يتربّصون بالعرش الخاوي الواعِد بالخير العميم تلبّستْ بهم أمّـيّةٌ مضاعَفة. وإنْ وجدوا لغةَ القذْف والسِّباب سبيلا إلى انتزاع أصوات النّاخبين لا أخالُهم سيتردّدون كثيرا قبل إتحافِ مسامعنا بما "لذّ وطابَ" منها حتّى مِن على المنابر الخَطابيّة.
3- لا يُعقَل أن نأتمن "أحزابَ الأمِّـيّة" على هذا الوطن العزيز، نحن مَن عانينا الأمرّيْن من حاكمٍ جاهل جهَلوت دمّر الأرضيّةَ الثّقافيّة السّابقة وحَشَّ نبتَها جذورا وأغصانا. حتّى وهو على تلك الحال لَم يُغفِل ورقةَ التّوت. فأدار حملاتِه الانتخابيّة ضدّ أشباحِ المنافسين بفصاحةٍ لا تشُوبها شائبةٌ. يكفي أن نستحضر شعارَه الأخير: «معًا لِرفعِ التّحدِّيات» الّذي أصوغُ على منواله عنوانَ الحملةِ: «معًا لِرفعِ أمِّـيّة السّاسةِ».
إذن لِنقاطعْ جميعا أحزابَ الأمّـيّةِ لأسبابٍ ثلاثة:
أوّلا: لأنّها لا تُمثِّلنا،
ثانيا: لأنّها لن تخدِم المصلحةَ الوطنيّة، 
ثالثا: لأنّها تُهينُ ثورتَنا الضّاربةَ عروقُها في هذه الأرض الأصيلة.
فوزيّة الشّـطّي
تونس: 2011.08.21


محاكمةُ الغائب

محاكمةُ الغائبِ

    يومَ الإثنين الفارط [2011.06.19] حُوكم الرّئيسُ التّونسيّ السّابق وزوجتُه في المحكمة الابتدائيّة. كان قفصُ الاتّهام شاغرا فاغرَ الفم يهزأ بنا قتلى وجرحى وملتاعِين. سُلّط على الغائبيْن أقصى العقوبات، ربّما لأنّهما غائبان. وكان قد سُلّط على "الحاضر الأنيق المحتفَى به" أخفُّ عقوبة ممكنة! لو أحسن المتّهمان قراءةَ الأحداث لحضرا المحاكمةَ طوعا دون حاجة إلى"طلب تسليم" أو "بطاقة جلب دوليّة". كانت ثقتُهما في "تطبيق القانون" وفي "القضاء العادل المستقلّ" وفي "ضرورة المحاسبة قبل المصالحة" أكبرَ من ثقتنا في كلّ ذلك. لذا خيّرا الحضورَ بالغياب من باب سوء التّقدير لا غير.
    ليس لنا من هذه المحاكمة إلاّ قيمتُها الرّمزيّة. غايتُها امتصاصُ الغضب الشّعبيّ والإقناعُ بأنّ شروط الانتقال الدّيموقراطيّ قد تحقّقت. فلا خوف بعد اليوم. وليعلمْ كلُّ طاغية آتٍ أنّ القضاء له بالمرصاد. سيُفرد له القفصَ، وينطق ضدّه بالحكْم الفصل، ويُدينُه على عيون الملإ. وقد يُصادِر بعضَ أملاكه، ويُجمِّد ما تيسّر من أمواله، ويفضح القليلَ من أعوانه. ثُمّ سيبارك الإعلامُ الرّسميُّ هذا الإنجازَ التّاريخيّ مسبّحا بحمد الثّورة الّتي وهبتنا إيّاه.
  سادتي، الرّسالةُ وصلت بليغةَ المعنى. فهمناها من الوهلة الأولى: مازلنا في قلب الرّحى!

فوزيّة الشّطّي
تونس: 2011.06.22