إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

2011/09/16

كيف تكون مدرّسا كفأ؟

كَيْفَ تَكُونُ مُدَرِّسًا كُفْأً؟
[نُشر في 'الشّعب': عدد 1061: 13 فيفري 2010]
نُشِر في النّسخة الإلكترونيّة من جريدة 'الشّعب' التّونسيّة:
 http://www.echaab.info.tn/detailarticle.asp?idx=10250
     لأنّي ما اعتدتُ أن أكتُمَ عِلما خشيةَ أن أُلجَمَ بلِجام مِن نارٍ يومَ القيامة، ولأنّ "الكفاءةَ" في مهنة التّعليم هي السّيفُ المسلولُ الّذي به يسُود المرءُ أو يُساد وهي كلمةُ السّرّ الّتي بِها يُقاد أو ينْقاد، رأينا أنْ نبحثَ في شروطِ نيلِها. مِعْوَلُنا خبرةٌ نزعمُ، بأقصَى ما نملكُ مِن تَواضُعٍ، أنّها محترَمةٌ جدّا كمًّا ونوعًا. فأنصِتُوا يا أُولِي الألبابِ.
    1 - إذا كنتَ، أيّها المدرِّسُ، حديثَ عهدٍ بالمهنة الشّقيّة فدَرِّبِ النّفسَ على كلِّ فُنونِ الإذلال. سيستأسدُ عليك ضباعُ المؤسّسةِ وحِملانُها الوديعةُ وخفافيشُها المستتِرةُ بالظّلُمات. وكلّما صفعَك بعضُ هؤلاءِ على خدِّك الأيْمنِ أدِرْ له خدَّك الأيسر شاكِرا مُمتنًّا. وإذا استنكرَ عرفُك البيداغوجيُّ أنّ الأرضَ الّتي شرّفَها الله بِحَمْلِه وأمثالَه على أدِيمها هي الّتي تدورُ حول الشّمسِ لا العكس، فالْعنْ في حضرتِه المغفورَ له "غاليلي"(1) وآباءَه وأجدادَه. وطالبْ بإعادة محاكمتِه حتّى يُقِرَّ صاغِرا بأنّ الكواكبَ كلَّها لا تدورُ إلاّ كما شاءَ الماسكُ بزِمام قوتِك المرِّ. ثم أَنشِدْه في خشوعٍ لا تشوبُه شائبة: «مَا شِئْتَ لاَ مَا شَاءَتِ الأَقْدَارُ ... فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الوَاحِدُ القهَّارُ»(2). ستجدُ نفسَك أحسنَ حالاً مِن "ابْنِ هانئ" لأنّه مدَح وهمًا صنعَه خيالُه الشّعريُّ الماردُ. أمّا أنتَ فتمدحُ حقيقةً عِيانا يحسدُك عليها القاصِي والدّانِي. فإنْ لم تفعلْ لن تذوقَ من القُوتِ إلاَّ علقمَه. ولكَ، بعد أن تَرْسُخَ قدمُك في المهنةِ، أن تُثبِتَ أنَّ الأرضَ لا تدور أصلاً ولا تحرِّكُ ساكِنا أو أنّها تدورُ عندما يروقُ مزاجُها أو يطِيبُ لها الشَّطحُ أو يُغازِلُها كوكبٌ عُمَرِيُّ(3) الهوَى.
     2 - إذا ابتلاكِ القدرُ المهنِيُّ الأحمقُ الخُطَى، زميلتِي - أخصُّ بالذّكرِ المبتدِئةَ - بعَرفٍ بيداغوجيّ تسبحُ روحُه في العَفنِ منذ الأزَلِ وإلى الأبدِ فأنتِ بين أمريْن: إمّا أن تَمنحِي «وَصْلاً يُقَرُّ عَليْهِ»(4) فتَقَرَّ عينُكِ بكلِّ شهاداتِ الكفاءة وأوْسِمتِها وميداليّاتِها. ولا تنسيْ زميلتِي الفاضِلةَ في مثلِ هذه الحالِ أنْ تدفعِي ثمنَ الإقامة في النُّزل المرمُوق، وإلاّ كنتِ كَمَنْ يعتدِي على موظَّف أثناءَ أداء عمله! وإنْ أعمَى التّخلّفُ بصيرتَكِ وتَمرّدتِ على واجبِ الجوارِي والقيانِ والإماءِ فالعصَا لِمنْ عصَى. ليس مُستبْعدًا أنْ تخرُجِي مِن الحقلِ المهنِيِّ الخصيبِ بأيسرَ مِمّا دخلتِ بيدٍ فارغة وأخرى لا شيءَ فيها عدا مرارةَ الضَّيم. قدِّمِي التّقاريرَ والشّكاوَى وارْفعِي العرائضَ والقضايا. ندِّدِي واشْجُبِي واسْتنكِرِي. لن تكوني أوفرَ حظّا من السّاسةِ العرب في المحافل الدّوليّة. سيكون فِعْلُكِ هذا صرخةً في وادٍ. هو الوادِي الّذي تسرحُ فيه الرّعيّةُ راضيةً مرْضِيَّة. إنْ عصتْ استترتْ، وإنْ انفضحتْ تنمَّرتْ، وإنْ مُسِكتْ متلبِّسةً أتتْ على الأخضرِ واليابسِ كالنّار في الهشِيم.
     3 - إذا عجِزتَ، أيّها المدرِّسُ، عن تحقيقِ الكفاءةِ العلميّةِ والبيداغوجيّةِ بما لك من عقلٍ وطاقةٍ ومبادئ لأنّك خُلِقتَ خِلْوًا من شوائبِ المواهِب، فلا تبتـئِسْ. ثَمَّ حلّ لكلِّ مشكلٍ مزمِن. إنّ رحمةَ أُولِي الأمرِ أوسعُ مِمّا تظنّ. يوما مّا سيُترجِمون امتنانَهم لكَ كما كانُوا فعلُوا مع سلفِك الصّالِح. فهلِّلْ وكبِّرْ وقُلْ: «رَبِّ أنْعَمْتَ فَزِدْ». حسْبُك أن تتقرّبَ إلى عرفِك، إداريّا كان أو بيداغوجيّا، أن تلازمَه كظلِّه تُسمِعُه سُعالَ زميلِك وعُطاسَ زميلتِك وأنينَ خصومِه الحقيقيِّين والوهمِيِّين مُتخبِّطا كالدِّيك الذّبِيح احتجاجا عليهِم وتعاطُفا معَه. اِحملْ حقيبتَه إنْ ثقُلتْ عليه، وامْسَحِ الغبارَ مِن علَى حذائِه بيدِك الطّاهرة النّقيّة. وإن استطعتَ أن تُجهِشَ في حضرتِه بالبُكاءِ طرَبا وعِرفاناً وإجلالاً فنِعْمَ الفَعَالُ. لا تنسَ أن تُتـبِّلَ(5) نَميمتَك وأن تعمِّمَ البهارَات بسخاءٍ حاتِميّ(6) عساهُ ينظر إليكَ بعينِ الرّحْمة والشّفقَة، فيمنحَك بركتَه العَلِيَّةَ ويبيعَك بأبخسِ الأثمانِ شهائدَ الكفاءة كما باعَ كهنةُ القرونِ الوُسطى صُكوكَ الغُفران للمُعدَمين والفاسِقين والمجرِمين! حتمًا سيمنحُك مِن سيلِ الكفاءاتِ ما تُداوِي به كمدَك وتنفُشُ به ريشَك. فتصُولُ صوْلةَ جِنِّـيّ خرجَ للتّوِّ من قُمقُمِه. تصاغرْ أمامه وتحاقَرْ حتَّى يُؤمِنَ إيمانَ العجائز بأنَّ أمثالَه في الدُّنيا نَوادرْ. إيّاك أن تَغفلَ عن تجديدِ أقنعتك كلّما اهترأتْ: فما عجِزتَ عن تحصيلِه بقناع الغضبِ الثّوريِّ حقّقْتَه بقناعِ الضّمير المهنِيِّ الـمُفعَمِ بالحياة. وما فوَّتَه عليك قناعُ حِمايةِ الأخلاقِ الحميدة الّتي لا تَمُتُّ إليك بصلةِ دمٍ أو جِوار قد يُمسِكُه لك قناعُ الدّفاعِ اللاّمشروط عن قِيَم الزّمالةِ. أمّا إنْ خيَّبَ قناعُ الحرصِ على تلطيفِ الجوِّ التّربويِّ المشحونِ آمالَك العريضةَ فلكَ في قناعِ تأدِيب المارِقين الزّنادِقةِ أعداءِ الله والأمّةِ خيرُ عَزاء...
بقدر ما يزيدُ المناخُ تسمُّما تقوَى حظوظُك المخابراتيّةُ. بِهذا فقط تفتكُّ لك مجالاً حيويّا رَحْبا في فضاء من المفروض ألاّ يكونَ لك به موطِئُ قدَمٍ! لا تَغفلْ، زميلِي الكُفْءَ، عن خزْنِ ما تيسَّر من أقنعةِ الشّعور الوطنِيِّ في جيْبِ سُترتِك. فمَن يدرِي، قد تُعْوِزُك الحاجةُ إليها في يومٍ مشهود، فتُشهِرَها حُساما مُهنَّدا يُلجِم ويُفحِم وقد يُبكِّتُ. إنَّ صاحبَ التَّاجِ يحتاجُ، فكيف بِمَنْ لا تاجَ له ولا عرشَ؟!
    4 - إذا تلقّيتَ أيّها المدرِّسُ الآمنُ على خبزِ يومِك من غوائِل الدَّهر، أمرًا بيداغوجيّا بالتّوقيع على أعدادِ مترشِّحين زُوِّرتْ أثناء مناظرةٍ وطنيّة مصيريّة، فلا تعجلْ بالعِصيان. بلِ ارضخْ رزينًا حليمًا ركينًا. ثمّ وقِّعْ جاعِلا يُسراكَ تغُضُّ البصرَ عمَّا ارتكبتْ يُمناكَ. وإلاّ فالويلُ لك مِن شرِّ ما ستلقَى: في طرْفةِ عيْنٍ يُسحَبُ بِساطُ الكفاءةِ مِن تحت قدميْك. سترى مِنْ تضامُنِ الإخوةِ - الأعداءِ ما يكذِّبُ كلَّ مُشكِّكٍ في وحدةٍ عربيّة ظهرتْ كأجلَى ما يكونُ في "الملْحَمةِ المصريّةِ - الجزائريّةِ" الأخيرة. ستنقضُّ عليك الحاشيةُ العنتريَّةُ(7) الفُتوّةِ الّتي لو طُلِب مِنها أنْ تشهدَ بأنّك مَنْ فَجّر بُرجَيْ التّجارةِ العالميّةِ وأنّك مَن ثَقَب طبقةَ الأوزون وأنّك مَن باعَ فلسطينَ وبلادَ الرّافديْن لِجحافلِ المغُول والتّتار مصّاصِي الدِّماء...لَمَا تردّدتْ. ورُبّما اجتهدتْ بِنيَّةٍ صادِقة مُخلصة لولِيِّ النّعمةِ، فأسنَدتْ إليكَ كلَّ الجرائمِ الّتي قُيِّدتْ ضدَّ مجهولٍ من بدْءِ الخلِيقةِ إلى يومِ النّاس هذا. فارْعَوِ يا هذا لِتحسُنَ عاقبتُك. الجوعُ كافرٌ، والغنائمُ نُدرَة، والأرضُ بُورٌ مَوَات! علِّلِ النّفسَ إذا تَملْملتْ - وهي نادِرا ما تفعلُ - بأنّ زمنَ الرّداءة والصّفاقة هو مَن يحملُ وِزْرَ الجريمةِ وأنّكَ مِنها براءٌ. كَذِّبْ بالحُججِ الدّامغةِ وعلَى رؤوسِ الأشْهاد القاعِدةَ الفِيزيائيّةَ الّتي أجْمَلَها الشّاعرُ في قولِه الـمُعْجِزِ: «نَعِيبُ زَمَانَنَا وَالعَيْبُ فِينَا ... وَمَا فِي زَمَانِنَا عَيْبٌ سِوَانَا»(8). ثُمَّ اِلعَنْ في سِرِّك شيطانَه الشّعريَّ الّذي يعرفُك أكثرَ مِمّا تعرفُ نفسَك ويقولُ فيكَ ما تستحِي مِن مُجرَّدِ التّفكير به خِلسةً.  
     5 -  إذا شاء سوءُ طالعِك أن يكونَ عَرفُك الإداريُّ مِمَّن يُدمِي قلبَه أنّكَ حصَّلتَ مِن الشّهائد ما عجِزَ هو عن نيلِه ويَحرِقُ دمَه أنّك تملأُ قسمَك بحضورِك العلميّ، فوَطِّنِ النّفسَ على ضُروبِ التّنكيلِ الطّارفِ والتّليدِ : أوّلُ أبوابه النّبزُ والتّجريحُ والتّشكيكُ العلَنِيّ لكنْ الملتوِي في أنّ شهائدَك لا تعكسُ حقيقةَ كفاءتِك الّتي يعرِفُ هو بُؤسَها حقَّ المعرفةِ لأنّه تعوّدَ أنْ يُدركَ الغيبَ وما تُخفي الصّدورُ. سيُردَّدُ هذا على مسمعِك حتّى تعافَه الجدرانْ، فكيف بالآذانْ؟! ثانِي أبوابِ التّنكيل أنْ يُحرَّض ضدَّك أضعفُ تلاميذِك حِسّا وعَقلا وأدَبا : ليس أسهلَ مِن أن يُشترَى التّلميذُ ببطاقةِ دخول مُلفَّقة، بعقوبةٍ مؤجّلة أو مُلغاة، بعددٍ وهْميّ يَجودُ بهِ عليه أرحمُ الرّاحِمينْ من حاشيةِ "أمير المؤمنينْ". ليس أيسرَ مِن أنْ يُروَى لتلاميذِك عنكَ ما تقصُرُ عن إبداعِه قريحةُ أبالسةِ الأرض والسّماء. سيُستقبَل "الثّائرون" عليك استقبالَ الأبطالِ في المكتبِ الوثيرِ حيثُ يُحتفَى بِهم لأنّك الشّرُّ عينُه الّذي يجبُ أنْ تلتفَّ حوله الجهودُ والجنودُ والقيُود. وإذنْ تجاهلْ أمام عرفِك هذا وتغافلْ حتَّى يُؤمنَ إيمانَ العجائز بأنّ أمثالَه في الدّنيا قلائلْ. قدِّمْ له أماراتِ الولاءِ والطّاعةِ، عساهُ يتناسَى من نقصِه الفاجعِ ما تيسّرَ. اِعتذرْ عمّا فعلتَ وعمّا لم تفعلْ، علّك تحظَى بصكِّ غفرانٍ يكفُّ عنك عذابَ الرُّوحِ والعقل والجسد.
   6  إذا قصدكَ موظَّفٌ أسالتْ الرّشاوِي الممنوحةُ والموعودةُ لُعابَه، يطلبُ "الرّأفةَ" بِمتعلِّم مَّا والقلبُ يرتجِفُ رُعبا مِن أنْ تطيرَ الغنائمُ بلا رجعةٍ، فأَسْكتْ ضميرَك المهنِيَّ ودُسْ مبدأَ الأمانةِ العلميّة بِكعْب رُعاة البقَر وارْكُلْ قيمةَ العدْلِ وما لفَّ لفَّها. قدِّمْ كلَّ ذلك قُرباناً على مذبحِ الزّمالة. ثمّ لَبِّ الأمرَ صاغِرا ذلِيلا. وإلاّ فسيفُ الجلاّدِ لك بالمِرصاد : يكفِي أنْ تنالَ جدولَ أوقاتٍ يعذِّبُ تلاميذَك أكثرَ مِمّا يُعذِّبك، يجعلُهم يأتونَك كمَنْ يُقادُ إلى الجنّةِ بالسّلاسل حتّى تعيشَ الحربَ الباردةَ الحارقة. يكفِي أن يُحرَّش ضدّك أبعدُ الأولياءِ عن آداب العِلم والتّربية حتَّى ينقلبُوا عليكَ قُطَّاعَ طُـرُقٍ وقراصنةَ برٍّ مُحترفِين يتربّصُون بك داخلَ الحرمِ التّربويِّ وخارجَه. فاتّقِ الله في نفسِك أيُّها التّواقُ إلى السّلامة المهنيّة. وصَـبِّرِ النّفسَ اللّوّامةَ(9) بأنّ الميْتَ، وهو بينَ يديْ غاسلِه،ِلا يملكُ مِنْ أمْرِ نفسِه شيئا. ثمّ إنّ المركبَ غارقٌ بِمَن فيه لا مَحالةَ، فلِم تجدِّفُ ضدّ التّيّارِ العاتِي؟ إنْ تُكابرْ يَنكسرْ مجدافُك الحافِي، وقدْ ينهالُ عليك ضربا مُبرَّحا لأنّك حَمّلتَه ما لا يحتمِلُ ووضعتَه موضِعَ الهُزءِ أمام مجاديفَ ارتختْ عضلاتُها راحةً وخدَرًا واستِجمامًا.
      7 -  إذا أحبَّ التّلاميذُ  شخصَك واحترمُوا احترامَك لنفسِك ولواجبِك تجاهَهم وجاهرُوا بذلك حتّى بلغَ أسْماعَ عرفِك، فاقْرَأ على روحِك الفاتِحةَ. سيكونُ ترويضُك وكسْرُ شَوْكتِك مُهمّتَه "التّربويّةَ" الأسْمَى الّتِي مِن أجلِها تُسَنُّ القوانينُ العُرفيّةُ. أنت متَّهمٌ بحفظِ الأمانةِ التّربويّةِ، مُدَانٌ بتحدِّي رُموزِ السّلطة الإداريّة، موقوفٌ على ذِمّةِ التّحقيق بِتُهمةِ الاستِيلاء على القُلوب والعُقول. سيَبعثُ إليك السّدَنةَ المخلصينَ، كلّما عنَّ له ذلك، لِيدنِّسُوا حُرمةَ قِسمِك ويُقطِّعوا أوْصالَ درسِك ويُجرِّحُوا هيبتَك في حضْرةِ تلاميذِك. فَقُلْ لِي ما أنتَ صانعٌ بسياسةِ كسْرِ العَظْمِ هذه؟ أتكونُ لها نِدّا نَدِيدا؟ يا رفيقَ الدّربِ «يَكْفِيكَ مِـمَّا لاَ تَرَى مَا قَدْ تَرَى»(10). لقد ابتكرَ عرفُك معادلةً رياضيّةً فاتتْ أربابَ الجبْرِ القُدامَى والْمُحدَثين: "كلّمَا حَطّ مِن شأنِكَ رفعَ مِن شَأنِهِ". فلا تتنمَّرْ أيّها السّاعِي إلى حتْفِه، وأبْقِ لعرفِك ما يتلهَّى به في المجالسِ، عساه يتعزَّى عن مُصابِه الجلَلِ في نفسِه. وأنْشِدْه كلّما لقِيتَه على رصيفِ التِّيهِ: "جُعِلتُ فِدَى روحِك المعدَمهْ".
     8 -  إذا لم تدَعْ لأعرافِك ثغرةً مِهنيةً يحاربونَك منها، فلا تُحدِّثْ النّفسَ بالحِفظِ والأمان. سيحفِرون ثُقبا في الجدار يُطلّون عبْرَه عليك بالتّناوب حتّى لا تغيبَ عن عيونٍ لا تنامْ ولا تَهنأ بغيرِ الحربِ الزُّؤامْ. إذْ كيف تجرأُ على أن تكونَ سوِيّا؟! كيف تسلُبُ الخصْمَ سلاحَه الأوْحدَ؟! كيف يستقيمُ الظّلُ والعودُ أعوجُ؟! إنّ ما تفعلُ تَحَدٍّ يُزعزِعُ هشاشةَ الكِيانْ. فَجِدْ سَواءَ السّبيل قبل فواتِ الأوانْ، قبل أن تجِدَ نفسَك أضيعَ مِن الأيتامْ على مآدبِ اللِّئامْ. لا تحرِثْ في البحرِ الميّتِ. فالسّيلُ هناك جارفٌ، له أن ينهشَ لحمَك ويدُقَّ عظمَك ويُهدِرَ دمَك الحَمِيّ. اتّعِظْ يا هذا. لا تَرفعْ صوْتا، ولا تنصِبْ عِداءً، ولا تَجُرَّ ويلاً. بلِ اجزِمْ تسلَمْ. إنّ الوقوفَ على الرّبوةِ أسلمْ. وإنْ زُلزِلَتِ الأرضُ زِلزَالَها ومادتْ بك الرّبوةُ الآمنةُ فتدحرجْ إلى أسفلِ السّافلين حيثُ مُنكِرٌ ونَكِيرٌ(11) ينزِلان على قلبِك الضّعيفِ الرّهيفِ العَفيفِ برْدا وسلاَما، يُعفِيانِك مِن عُقْمِ الكفاءةِ وويْلاتِها، يُربِّتان على كتفٍ هدَّهُ شقاؤُك بأعرافِك وشقاؤُهم بذواتِهم وشقاءُ الشّقاءِ بِكُمْ جميعا. قد تجِدُ مِن رَحمتِهما ما يُنسِيك عذابَ القبرِ المِهنيِّ الدُّنيويّ .
     9  إذا أُمِرتَ بالمساهمةِ في القطيعةِ المعرفيّة الثّوريّة فلا تتردَّدْ: انْزَعْ عن مُصطلحِ "الكفاءة" كلَّ المعانِي المعجميّةِ والتّربويّة والعلميّة والبيداغوجيّة والأخلاقية الّتي أكلَ عليها الدّهرُ وشرِبَ ومسَحَ يديْه في جَرْدِها(12) البالِي. ثُمّ نزِّلْه في الحقلِ الدَّلالـيّ "الرَّعَوِيِّ"(13) لِيكتسبَ من الرِّيادة والنَّجاعة والواقعيّة ما لا يختلفُ فيه إثنانْ ولا تَنتطِحُ فيه عَنزتانْ. وأنشِدْ في نشوةِ الظّافر بحكمةِ لُقمانَ: «هَكَذَا هَكَذَا وَإِلاَّ فَلاَ لاَ»(14). عندها يحِلُّ لك الحرامُ ويُباحُ لك الممنُوعُ وتجُوزُ عليك الموبِقاتُ عامّةً. لا أظنُّك وقتَها ستُسِيءُ الاختيارَ بيْن لازمتيْن تسرّبتَا مِن التُّراثِ البعيدِ زمنًا القريبِ رُوحًا لِتسكُنا فينا إلى أجلٍ لا أُسَمِّيه ولا أُكنِّيه: أُولاهما «يا حَاجِبُ، أعْطِهِ ألْفَ دِينَارٍ»، ثانيتُهما لا قدَّر اللهُ عليكَ وعلينَا- «اِقْطعْ رَأسَه، يا سَيَّافُ!». اخْترِ الصّوابَ مُعزِّيا قلبَك الدّاميَ بأنّ القرونَ الوُسطَى العربيّةَ مازالتْ في أوْجِ شبابِها وعُنفوانِها وأنّ الأُممَ ما فتِـئَتْ تضحكُ مِن جهلِنا إلى أنْ «يَبْكِيَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضِنَا مَعَنَا»(15).
     تلك وصفةٌ سحريّةٌ أو تكادُ توصّلتُ إليها بعد عناءِ السّنين وكدِّ الأيام وأرَقِ اللّيالي. بنودُها التِّسعةُ مجرّدُ فاتحةٍ مُختزَلة ستظلّ تحتاجُ الدّعمَ والإضافةَ والمراجَعةَ على شاكلةِ "الموسُوعةِ الحرَّة". خلاصةُ القولِ منها: إذا طمِحتَ أيّها المدرِّسُ المثابِرُ إلى نيلِ الاعترافِ بالكفاءة فبادرْ سريعا إلى الانْخراطِ في "رَعِيّةِ القَطِيع". وأنتَ في الطّريق إليها لا تَسَلْ ولا تُجِبْ إن سُئِلتَ. لا تطرحْ أسئلةَ اللِّمَ والكَيْفَ والحتَّامَ على نفسِك لأنّها تُوجِعُ وتُربِكُ الخطوَ وتَحرِمُ بَرْدَ اليقينِ. وأنتَ في الطّريق إليها اُخنُقْ فيك كلَّ توْقٍ إلى الفهمِ أو الاسْتيضاحِ أو حتّى الاستخبارِ عمّا يجرِي في السّراديبِ المقفَلة وفي النّفوسِ المظلِمة. سِرْ إليها حثيثًا حذِرًا مُنكِّسا قبْل أن تقعَ على رأسِك السّماواتُ السّبعُ. فإنِ اسْتوعبتَ الدّرسَ علَى الوجْهِ الأكْمَل: «أتَتْكَ الكَفَاءَةُ مُنْقَادَةً ... إِلَيْكَ تُـجَرِّرُ أذْيَالَـهَا»(16). أللّهُمَّ إنِّي بلَّغتُ. والله ولِيُّ التّوفيقِ ونِعْمَ الوكِيلُ.

     الهوامش:                                                               
1-    غاليليه Galilei  [1564 - 1642م ]: عالِم إيطاليّ من علماء الفيزياء والفلَك المشهورين. اِكتشف حركةَ دوران الأرض حول الشّمس. دانتْه الكنيسةُ عام 1633. ثم برّأتْه عام 1992. من مُخترعاتِه ميزانُ الحرارة والمنظارُ الفلكيّ، "المنجِدُ في اللّغة والأعْلام"، ط: 35، 1996، دار المشرق، بيروت.
2-    البيت لمحمَّد بن هانئ الأندلسيّ [320 – 362 ﻫ] من مدحيّة في الخليفة المعزّ لدين الله الفاطميّ، الدّيوان، تحقيق محمّد اليعلاوي، دار الغرب الإسلامي، 1994، ص181.
3-    العُمَرِيُّ: نسبة إلى عمرَ بن أبي ربيعةَ [644 – 712م ]: شاعر غزليّ مِن سَرَاةِ القُرَشيّين. رقيقُ الأسلوب لطيفُ العواطف. تابَ وتزهّد في آخرِ حياته، "المنجد".
4-   العبارةُ من بيت لعُمرَ السّالف الذّكر، هو: "أوْ صِلِيهِ وَصْلاً يُقَرُّ عَلَيْهِ .. إِنَّ شَرَّ الوِصَالِ وَصْلُ الكِذَابِ"، كتاب النّصوص "آفاقٌ أدبيّة" للأولى ثانوي، ص: 61.
5-   تَبّلَ الطّعامَ: جعل فيه التّابلَ، وهو ما يُطيَّبُ به الأكلُ، "المنجد".
6-   الحاتِمِيّ: نسبة إلى حاتم الطائيّ: شاعر جاهليّ اشتَهرَ بشجاعتِه وسخائِه وكرمِه. ضُرِب المثلُ بِجُودِه [ت أواخرَ القرن 6م ]، ن.م.
7-   العنتريّة: نسبة إلى الشّاعر الفارس عنترةَ بن شدّاد العبسيّ [نحو 525 – 615م]: مِن مشاهير شعراء  الجاهليّة وفرسانِها. مِن أصحاب المعلَّقات. اشتَهرَ ببطولتِه في الغزوات. نشأتْ حولَه الأساطيرُ المعروفةُ بسيرةِ عنترةَ، ن.م.
8-   البيتَ لأبِي الطّيّب المتنبِّي [915 - 965م]: المجلّد 2 من ديوانِه بشرح عبد الرّحمان البرقوقي، ص: 186، ط: 2، دار الكتب العلميّة، 2007، بيروت.
9-   النّفسُ اللّوّامةُ: هي الّتي اكتَسبتْ بعضَ الفَضيلةِ، فتلومُ صاحبَها إذا ارتكبَ مَكرُوهًا، ن.م.
10-                    مثل عربيّ يُضرَب في الاعتبارِ بِما يُرَى دونَ الاختبار لِما يُرَى. قِسمُ: "فرائد الأدب"، ن.م.
11-                    مُنكَر ونَكِير: يُقال إنّهما ملَكان وإنّهما فتّانَا القُبور، ن.م.
12-                    الجَرْدُ: هو الثَّوْبُ البَالِي الخَلَقُ المنْسَحِقُ، ن.م.
13-                    الرَّعوِيّ: نسبةٌ إلى "الرّعِيّة" المقابل التّراثيّ لمصطلح "الشّعب" اليومَ.
14-                    هذا من بيتِ المتنبّي: "ذِي الْمَعَالِي فَلْيَعْلَوَنْ مَنْ تَعَالَى .. هَكَذَا هَكَذَا وَإِلاَّ فَلاَ لاَ"، مِن مَدْحيّةٍ في سيْفِ الدّولة، يُعبّرُ عنْ قيمةِ التّحدّي التِي تَخترقُ المستحيلَ، "شرح ديوان المتنبّي"، عبد الرّحمان البرقوقي، دار الكتب العلميّة، بيروت، ط: 2، 2007، ص: 186.
15-                    حوّرتُ عبارةَ الوشّاح الأندلسيّ ابنِ زُهْر: [507 – 595ﻫ]  في قُفْلِ أحدِ مُوشَّحاته: «عَشِيَتْ عَينَايَ مِنْ طُولِ البُكَا .. وَبَكَى بَعْضِي عَلَى بَعْضِي مَعِي». كتاب النّصوص للثّالثة آداب، ص: 40.
16-                    البيتُ الأصليّ: «أتَتهُ الخِلاَفَةُ مُنْقَادَةً .. إِلَيْهِ تُـجَرِّرُ أذْيَالَـهَا» قالَهُ أبو العتاهية [748 – 825م] يهنِّئ المهدِيَّ بالخِلافة. لِذا أعتذرُ للشّاعر على تحويلِ وِجْهةِ بيتِه مِن أجْمل ما يكونُ المدحُ إلى أردإ ما يكونُ الهجاءُ. كتاب "البلاغة الواضحة"، عليّ جارم ومصطفى أمين، دار المعارف، لبنان، ط: 21، 1969، ص: 79.
فوزيّـة الشّـطّي

تونس: 2009.12.22